المحتويات
مقدمة
المحور الأول: العلاقات الصينية-الإسرائيلية قبل 7 أكتوبر 2023
- جذور العلاقات
- ما بعد تأسيس العلاقات رسميا
- ضغوط أمريكية
المحور الثاني: العلاقات الصينية – الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر 2023
- موقف الصين من الحرب في غزة
- موقف الصين من الحرب الإسرائيلية-الإيرانية
المحور الثالث: تأثير الحرب على العلاقات الثنائية
- بوادر توتر
- استمرار التعاون
خاتمة
مقدمة
شهدت العلاقات الصينية الإسرائيلية منذ مطلع التسعينيات مسارا متدرجا من التقارب الاقتصادي والتكنولوجي، في مقابل تباين سياسي في بعض المواقف من قضايا الشرق الأوسط على وجه الخصوص.
فقد حرصت الصين على توسيع وجودها في إسرائيل من خلال الاستثمارات في البنية التحتية ومشروعات التكنولوجيا، ضمن رؤيتها لتعزيز نفوذها العالمي. وفي المقابل، وجدت إسرائيل في الصين شريكا اقتصاديا مهما يمكن أن يفتح أمامها أسواقا جديدة بعيدا عن الاعتماد الحصري على الولايات المتحدة وأوروبا، رغم إدراكها لحساسية هذه العلاقة في ظل التنافس الأمريكي-الصيني المتصاعد.
لكنّ اندلاع حرب غزة في 7 أكتوبر 2023، وامتداد هذه الحرب إقليميا مع إيران، وضع هذه العلاقة أمام اختبار جديد. فالموقف الصيني من الحرب لم ينسجم مع الموقف الغربي الداعم لإسرائيل، إذ فضّلت بكين تبني خطاب متوازن ركز على الدعوة إلى وقف إطلاق النار ورفض استهداف المدنيين، مع التأكيد على ضرورة العودة إلى حل الدولتين.
ورغم أن هذا الموقف كان خطابيا ودبلوماسيا ولم يتحول لتشكيل ضغط كبير لوقف الحرب، فإنه أثار انتقادات إسرائيلية، وطرح تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين الطرفين في ظل تزايد الضغوط الأمريكية على دولة الاحتلال لتقليص تعاونها مع الصين، خاصة في مجالات التكنولوجيا الحساسة.
وتهدف هذه الورقة إلى تحليل واقع العلاقات الصينية-الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر، من خلال استعراض طبيعة العلاقة قبل الحرب، والموقف الصيني من حرب غزة وما تبعها من تصعيد إقليمي. هذا بالإضافة إلى تحليل تأثير موقف بكين مع التصعيد الإقليمي خلال العامين الماضيين على العلاقات الإسرائيلية-الصينية.
وفي سياق الاهتمام العربي والإسلامي المتزايد بالتحولات الجارية في النظام الدولي، برز طرح يرى أن صعود الصين يمثل فرصة لبناء شراكات تقلّص من الاعتماد على القوى الغربية، وبالأخص الولايات المتحدة التي تُعد الطرف الأكثر حضورا ونفوذا في المنطقة. وقد ازداد هذا الطرح رسوخا خلال حرب غزة، إذ أدى الدعم الأمريكي الواسع لإسرائيل أثناء حرب الإبادة إلى تعزيز القناعة بأن الاعتماد على واشنطن يحمل كلفة سياسية وأمنية متزايدة، ويستدعي البحث عن بدائل دولية.
ومن هذا المنطلق، تصبح دراسة العلاقات التي تربط الصين بالمنطقة أمرا ضروريا لفهم طبيعة مصالح بكين وكيفية إدارتها لتحالفاتها وشراكاتها. وتزداد أهمية هذا الفهم حين يتعلق الأمر بإسرائيل، التي تمثل في الوعي الجمعي العربي “العدو الأول”، إذ يتيح تحليل علاقتها بالصين إدراك حدود النفوذ الصيني ومساحات التقاطع والتباعد بين الطرفين، وبالتالي فهم كيفية تعاطي بكين مع أكثر الملفات حساسية في المنطقة.
المحور الأول: العلاقات الصينية-الإسرائيلية قبل 7 أكتوبر 2023
تُعدّ العلاقات بين الصين ودولة الاحتلال الإسرائيلي واحدة من أكثر العلاقات التي أخذت مسارا متدرجا طويلا. فمنذ بدايتها الرسمية الأولى في أوائل التسعينيات، تطوّرت من علاقات محدودة ذات طابع اقتصادي وتجاري إلى شبكة واسعة من الروابط الاقتصادية والتكنولوجية،[1] وإن ظلّ الطابع السياسي فيها محدودا ومتحفظا؛ نظرا لأن كلا الطرفين لديهما علاقات مع أطراف أخرى تؤثر في مسار العلاقات الصينية-الإسرائيلية. فمن ناحية الصين، هناك الدول العربية وإيران، ومن ناحية إسرائيل، هناك الولايات المتحدة وأوروبا.[2]
- جذور العلاقات
ترجع البدايات الأولى للتعاون بين الصين وإسرائيل إلى ما قبل إقامة علاقات دبلوماسية كاملة بسنوات طويلة. فقبل إقامة العلاقات رسميا في عام 1992، كانت هناك اتصالات غير رسمية بين الطرفين منذ أواخر السبعينيات، تمحورت حول قضايا فنية وصفقات سلاح، خصوصا في مجالات التكنولوجيا العسكرية ونقل الخبرات.[3]
أيضا سبق هذا التعاون اهتمام متبادل لتأسيس علاقات رسمية، إذ بدأت منذ خمسينيات القرن الماضي محاولات محدودة من الطرفين لإقامة اتصالات دبلوماسية مباشرة، رغم أن البيئة الدولية حينها لم تكن مواتية لذلك. فقد كانت الصين آنذاك تحت حكم ماو تسي تونغ في مرحلة ما بعد الثورة الشيوعية، فيما كانت إسرائيل تحاول اكتساب الدعم الأمريكي لها.[4]
إلا أن الحرب الكورية عام 1950 مثّلت نقطة تحول سلبية في مسار أي تقارب محتمل. فدخول الصين الحرب إلى جانب كوريا الشمالية جعلها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، وهو ما شكّل تحديا حقيقيا أمام إسرائيل التي كانت تحاول آنذاك الحفاظ على الدعم الغربي لها.[5]
وقد عبّر وزير الخارجية الإسرائيلي في ذلك الوقت، موشيه شاريت، عن هذا الموقف خلال مقابلة مع أحد الصحفيين في نيويورك، حين سُئل عما ستفعله إسرائيل إذا أعلنت الأمم المتحدة الصين دولة معتدية، فأجاب: “إسرائيل، بالطبع، ستنحاز إلى الأغلبية”. وهذا الموقف لم يكن مبنيا على قناعة مبادئية أو موقف إسرائيلي خالص، بقدر ما كان تماهيا مع الضغوط الأمريكية والغربية بشكل عام.[6]
غير أن هذا التصريح أثار جدلا واسعا داخل دولة الاحتلال الإسرائيلي حينها، إذ تعرض شاريت لانتقادات شديدة من بعض أعضاء الكنيست، لا سيما من اليسار، الذين رأوا أن هذا الموقف يعكس انحيازا غير مبرر للغرب على حساب استقلالية الموقف الإسرائيلي.[7]
هذا الجدل المبكر أظهر مدى حساسية العلاقة مع الصين بالنسبة لإسرائيل، وكيف كان من الصعب على إسرائيل حينها أن تنتهج سياسة مستقلة عن الإرادة الأمريكية في التعامل مع بكين. فخلال الخمسينيات والستينيات، كانت الولايات المتحدة تعتبر الصين الشيوعية خصما، وأي محاولة من حلفائها لإقامة علاقات معها كانت تُعد خروجا عن الخط الغربي العام. ومن ثم، لم يكن لإسرائيل أن تغامر بتعريض تحالفها الناشئ مع واشنطن للخطر في سبيل علاقات مع دولة كانت تعدّ في المعسكر المعادي.[8]
ومع مرور الوقت، ظل التواصل بين الجانبين محدودا للغاية، إلى أن بدأت في السبعينيات بوادر انفتاح نسبي، حين تبنت الصين سياسة أكثر براغماتية بعد وفاة ماو، وبدأت تفتح قنوات غير رسمية مع دول عدة، من بينها دولة الاحتلال الإسرائيلي.
كانت هذه القنوات تدور غالبا عبر وسطاء أوروبيين أو شركات خاصة، وتتناول قضايا فنية وعلمية وعسكرية، بما في ذلك بعض المشروعات في مجالات الزراعة ونقل التكنولوجيا.[9] ووفق الرئيس السابق لمركز الدراسات الآسيوية بجامعة تل أبيب، هارون شاي، فإن أولى هذه الاتصالات الفعلية جرت عام 1979، حينما شاركت شخصيات إسرائيلية في اجتماعات ببكين، لكن بصفة غير رسمية.[10]
ومن بين أسباب تحسن العلاقات، زوال المعارضة الأمريكية، وخاصة بعد أن أقامت واشنطن نفسها علاقات مع بكين عام 1979، وتوقيع معاهدة السلام بين إسرائيل ومصر، والمصلحة المشتركة في إحباط التغلغل السوفيتي في الشرق الأوسط، وتركيز الصين بعد ماو على التنمية الاقتصادية والتكنولوجية، استنادا إلى تكاملها المتزايد مع المجتمع الدولي.[11]
فقد وجدت الصين في إسرائيل، رغم صغر حجمها الجغرافي، نموذجا لدولة متقدمة في التكنولوجيا العسكرية والزراعية، يمكن الاستفادة من خبراتها في فترة كان الاقتصاد الصيني خلالها يشهد انفتاحا تدريجيا بعد سياسات الرئيس دنغ شياو بينغ.[12] في المقابل، رأت إسرائيل في الصين سوقا ضخمة وفرصة لتوسيع نفوذها الاقتصادي في آسيا بعيدا عن الاعتماد الكامل على الغرب.[13]
هذا فضلا عن استشراف إسرائيل أن الصين سوف تكون قوة عظمى، وبالتالي كانت تريد أن تسبق العرب إليها. وهذا ما يتضح من قول السفير الإسرائيلي لدى بورما في الخمسينيات، ديفيد هاكوهين، بأنه “ليس خوف ردود فعل أمريكا هو ما كان يجب أن يُفسد راحة بال موظفينا في سفارتنا بواشنطن، بل فشل موقفنا مقابل موقف العرب”. هذا مع العلم أن “هاكوهين” كان نقطة اتصال بين الصين وإسرائيل في ظل محاولات الطرفين البقاء على تواصل رغم الاعتراض الأمريكي.[14]
في هذا السياق، شكلت بعض الصفقات غير المعلنة في الثمانينيات، مثل نقل تكنولوجيا من صناعة الطائرات الإسرائيلية، اللبنة الأولى للتعاون الأمني بين الجانبين.[15]
- ما بعد تأسيس العلاقات رسميا
ومع إقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة في يناير/كانون الثاني 1992، دخل الطرفان مرحلة جديدة من الانفتاح المتبادل. فبحسب تحليل نشره معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، فإن الدافع الإسرائيلي آنذاك كان اقتصاديا بالأساس، في ظلّ رغبة دولة الاحتلال بالاندماج في الاقتصاد الآسيوي سريع النمو، بينما كانت الصين تبحث عن الوصول إلى التكنولوجيا والمعرفة الإسرائيلية في مجالات الزراعة والريّ والاتصالات.[16] وقد بدأ التعاون الاقتصادي بتبادل تجاري متواضع لم يتجاوز 50 مليون دولار، لكنه سرعان ما تضاعف في غضون سنوات قليلة ليصل إلى مئات الملايين بحلول نهاية التسعينيات.[17]
ومع مطلع الألفية الجديدة، اكتسبت العلاقات زخما غير مسبوق. فقد ساعدت الإصلاحات الصينية الواسعة والانفتاح على السوق العالمية في خلق فرص جديدة أمام الشركات الإسرائيلية، خصوصا في القطاعات التقنية والطبية. وارتفع حجم التبادل التجاري بين الصين وإسرائيل من نحو مليار دولار في مطلع الألفية إلى أكثر من 15 مليار دولار بحلول عام 2020، ليصل إلى حوالي 25 مليارا في عام 2022.[18] وقد ترافق هذا التوسع مع طفرة في الاستثمارات الصينية داخل إسرائيل، خاصة في مجالات التكنولوجيا الفائقة، والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والابتكار في الزراعة والمياه.
وفي المقابل، عملت إسرائيل على تعزيز وجودها الاقتصادي داخل الصين من خلال المراكز التجارية والمكاتب التكنولوجية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك إنشاء “مركز الابتكار الصيني الإسرائيلي” في مدينة تشانغتشو، والذي افتتح في يناير/كانون الثاني 2015، الذي شكّل منصة لتبادل الخبرات بين الشركات الناشئة لدى الطرفين.[19]
كما وقّع الجانبان اتفاقيات تعاون في إطار مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، ما جعل إسرائيل واحدة من نقاط الارتكاز الآسيوية التي تسعى بكين لتوظيفها في مشاريع الربط البحري والبري بين آسيا وأوروبا. فقد رأت الصين في إسرائيل حلقة وصل مهمة بين الموانئ الآسيوية والبحر المتوسط، خصوصا بعد فوز شركات صينية بعقود لإدارة موانئ إسرائيلية مثل حيفا وأشدود.[20]
- ضغوط أمريكية
غير أن هذا التوسع في العلاقات لم يكن بمعزل عن القيود الجيوسياسية التي أخذت تشتد مع مرور الوقت. فقد بدأت الولايات المتحدة تنظر بقلق متزايد إلى تنامي الحضور الصيني داخل إسرائيل، لا سيما في القطاعات الحساسة الخاصة بالأمن والتكنولوجيا.[21] وتعود جذور هذا القلق إلى سوابق مؤثرة في العلاقات الثلاثية بين واشنطن وتل أبيب وبكين، حين اضطرت إسرائيل، تحت ضغوط أمريكية مباشرة، إلى إلغاء صفقات دفاعية كبيرة مع الصين في مطلع الألفية.
كانت أبرز هذه القضايا صفقة “فالكون” التي أُعلن عنها عام 1996، وتتعلق ببيع نظام إنذار جوي مبكر، غير أن واشنطن رأت في الصفقة تهديدا محتملا لتفوّقها العسكري في شرق آسيا، وضغطت بشدة على إسرائيل لإلغائها. وبعد أعوام من التفاوض، اضطرت حكومة إيهود باراك في عام 2000 إلى التراجع عنها ودفع تعويض لبكين حوالي 350 مليون دولار.[22]
وبعد سنوات قليلة، وجدت إسرائيل نفسها أمام أزمة مشابهة حين سعت الصين إلى تحديث طائرات مسيّرة من طراز “هاربي” كانت اشترتها سابقا. فقد طالبت الولايات المتحدة بوقف التعاون التقني فورا، وضغطت في ذلك، باعتبار أن نقل مثل هذه القدرات قد يُستخدم ضد قواتها أو حلفائها في تايوان، فاستجابت تل أبيب مجددا وألغت الصفقة عام 2005، ما أدى إلى توتر دبلوماسي مؤقت بين إسرائيل والصين في ذلك الوقت.[23]
وقد كشفت هاتان الواقعتان حدود العلاقة الأمنية بين الطرفين، وأكدتا أن إسرائيل لا تستطيع الانخراط عسكريا مع الصين خارج السقف الذي ترسمه الولايات المتحدة، خصوصا وأن الأسلحة الإسرائيلية تعتمد تكنولوجيا أمريكية في الأساس.[24] ومنذ ذلك الحين، التزمت إسرائيل بسياسة حذرة تجاه أي تعاون دفاعي مع بكين، فاقتصرت الشراكة على مجالات مدنية أو مزدوجة الاستخدام ذات طابع بحثي أو تقني عام. ومع تصاعد المنافسة الأمريكية-الصينية خلال العقدين التاليين، شددت واشنطن رقابتها على الاستثمارات الصينية في إسرائيل، خصوصا في البنى التحتية الحيوية مثل الموانئ وشبكات الاتصالات والطاقة.[25] وقد تصاعد هذا تحت إدارات أمريكية جمهورية وديمقراطية، وهي إدارة باراك أوباما، ودونالد ترامب، وجو بايدن.
وفي هذا السياق، واجهت إسرائيل ضغوطا متكررة لتقليص نفوذ الشركات الصينية في قطاعات حيوية. فعندما فازت شركة “شنغهاي إنترناشونال بورت غروب” بامتياز تشغيل ميناء حيفا الجديد عام 2015 لمدة 25 عاما، أعربت مؤسسات أمريكية عن قلقها من احتمال استخدام الصين الميناء لجمع معلومات استخباراتية عن تحركات الأسطول الأمريكي، الذي يعتمد عليه في المناورات المشتركة.[26] وفي عام 2019، شُكلت لجنة إسرائيلية خاصة لمراجعة الاستثمارات الأجنبية في القطاعات الاستراتيجية، تحت ضغوط أمريكية.[27]
كذلك، تدخلت واشنطن عام 2020 في ملف إنشاء محطة تحلية المياه “سوريك 2″، حين أُقصيت شركة صينية من المناقصة رغم أفضلية عرضها المالي، وهو ما فُسّرته تقارير بأنه استجابة لضغوط أمريكية مباشرة.[28]
ورغم ذلك، لم تتوقف العلاقات الاقتصادية بين دولة الاحتلال الإسرائيلي والصين. كما شهدت الاستثمارات الصينية في القطاعات المدنية مثل الطاقة الشمسية، والزراعة الذكية، والذكاء الاصطناعي، توسعا ملحوظا، رغم التراجع في الاستثمارات المرتبطة بالبنى التحتية الكبرى. وحتى عام 2022، بلغ حجم التبادل التجاري نحو 21 مليار دولار.[29]
وعلى هذا، يمكن القول إن العلاقات الصينية-الإسرائيلية قبل طوفان الأقصى اتسمت بتعاون وثيق في المجالات الاقتصادية، غير أن هناك “فيتو” أمريكي على التعاون العسكري، وبعض مجالات التعاون الأخرى. لكن إسرائيل تحاول ألا تسمح لهذه القيود أن تتسبب في تدهور علاقاتها مع قوة عالمية صاعدة، مثل الصين. ولذلك، تحاول الموازنة بين رغبتها بالتعاون مع بكين من جهة، وبين تحالفها مع واشنطن من جهة أخرى.
المحور الثاني: العلاقات الصينية-الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر 2023
مع اندلاع عملية “طوفان الأقصى”، وما تبعها من عدوان إسرائيلي على قطاع غزة المحاصَر، دخلت العلاقات الصينية-الإسرائيلية مرحلة اختبار، حيث وضعت الحرب هذه العلاقة أمام معادلة قديمة جديدة، وهي محاولة الحفاظ على توازن في العلاقات رغم ضغط الملف الفلسطيني.
فمن جهة، هناك مصالح اقتصادية وتكنولوجية مشتركة، لكن من جهة أخرى تريد الصين تأكيد موقفها كقوة دولية صاعدة، تسعى إلى الحفاظ على صورتها لدى الدول العربية ودول الجنوب العالمي بشكل عام، هذا بجانب رغبتها في استثمار الأزمة لتعزيز نفوذها الإقليمي والرد على الهيمنة الأمريكية.[30]
- موقف الصين من الحرب في غزة
بعد عملية “طوفان الأقصى”، أصدرت وزارة خارجية الصين بيانا دعت فيه جميع الأطراف المعنية لالتزام الهدوء وضبط النفس ووقف إطلاق النار فورا وحماية المدنيين ومنع تدهور الوضع أكثر. وفي جملة لها دلالتها، قالت الوزارة إن “الاشتباكات المتكررة بين الفلسطينيين والإسرائيليين مؤشر على أن الركود الطويل الذي تشهده عملية السلام لم يعد قابلا للاستمرار”، معتبرة أن السبيل الوحيد لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو تنفيذ حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.[31]
بعد ذلك، وجهت الصين انتقادات مباشرة نحو إسرائيل، ووصف وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، الهجمات الإسرائيلية بأنها “تجاوزت نطاق الدفاع عن النفس” وناشد إسرائيل عدم ممارسة العقاب الجماعي ضد المدنيين.[32] وفي مارس/آذار 2024، التقى وانغ كيجيان، السفير الصيني السابق في لبنان، بإسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس حينها، في قطر. وعلقت صيحفة “ذا تايمز” البريطانية حينها بأن هذه إشارة إلى أن الصين تبتعد أكثر عن الموقفين الإسرائيلي والغربي بشأن الأزمة.[33]
ولم تدِن الصين بشكل صريح “طوفان الأقصى” لما يقرب من عام ونصف بعد العملية، إلا أن تصريحا صدر في مايو/أيار 2025، على لسان السفير الصيني لدى إسرائيل، قال فيه: “تُعارض الصين وتُدين ما فعلته حماس في السابع من أكتوبر”، واصفا ما حدث بأنه “غير إنساني ولا يُغتفر ومثير للاستياء”.[34]
علاوة على ذلك، حرصت الصين على إبراز نفسها كمدافعة عن حقوق الفلسطينيين في المحافل الدولية. وفي تصريح لافت، قال المتحدث باسم الصين أمام محكمة العدل الدولية إن المقاومة المسلحة حق للشعوب المستعمَرة لا تتناقض مع القانون الدولي.[35] وأكدت الصين مرارا على أن حل الأزمة يكمن في تأسيس دولة فلسطينية.
وفي جلسة لمجلس الأمن في مارس/آذار 2025، حث مندوب الصين لدى الأمم المتحدة، فو تسونغ، إسرائيل “على التخلي عن هوسها باستخدام القوة، ووقف عملياتها العسكرية ضد غزة فورا، ورفع الحصار عن وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة”، مؤكدا أن “القضية الفلسطينية هي جوهر قضايا الشرق الأوسط”.[36]
وفي مايو/أيار 2024، خلال منتدى التعاون الصيني-العربي، أعلن الرئيس الصيني، شي جين بينغ، تخصيص مساعدات بشرية لغزة بقيمة 500 مليون يوان (نحو 69 مليون دولار) ودعا إلى مؤتمر دولي للسلام.[37]
وباعتبار أن للصين حق الفيتو في مجلس الأمن الدولي، فقد جاء تصويتها لصالح الشعب الفلسطيني، وضد مشاريع قرارات أمريكية أو غربية في مجلس الأمن. من ذلك رفضها مشروع قرار أمريكي في مارس/آذار 2024 دعا إلى وقف فوري لإطلاق النار، باعتبار أن نص القرار لم يتضمن رفع الحصار عن غزة، ما تسبب بغضب إسرائيلي-أمريكي.[38]
كذلك، تحركت الصين دبلوماسيا، حيث جمعت الفصائل الفلسطينية في بكين في الفترة من 21 وحتى 23 يوليو/تموز 2024، وأعلنت أن حركتي فتح وحماس وقعتا على إعلان بكين لإنهاء الانقسام وتعزيز الوحدة الفلسطينية. وأكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي حصول اتفاق بين 14 فصيلا فلسطينيا لتشكيل “حكومة مصالحة وطنية موقتة” لإدارة غزة بعد الحرب.[39]
لكن هذا السقف، اعتبره بعض الداعمين للقضية الفلسطينية أنه لا يوازي حجم “الإبادة الجماعية” التي أوقعتها إسرائيل بحق سكان غزة، وهو المصطلح الذي لم يستخدمه المسؤولون الصينيون لوصف ما يجري في القطاع.[40] ويرى هؤلاء أن استضافة بكين للفصائل الفلسطينية -وغيرها من التصريحات والتحركات الدبلوماسية- كانت إشارة رمزية، ولم تحمل تأثيرا فعليا لوقف الحرب.
وربما يؤكد ذلك ما ذكره الباحث شياومان لين عن سياسة الصين في الملف الفلسطيني عامة. فقد لاحظ أن الصين لم تساعد الفلسطينيين على إحداث حالة اختراق في الصراع مع إسرائيل، وأن الاهتمام الذي تخصصه للقضية الفلسطينية يتضاءل إذا ما قورن بجهودها في مفاوضات ملف النووي الإيراني على سبيل المثال. ويعود ذلك -بحسب شياومان- إلى أن القضية الفلسطينية لا تؤثر بشكل مباشر في الأمن القومي الصيني.[41] ولذلك، لم تتبع الصين الاتفاق بين الفصائل الفلسطينية، ولم تتعهده بالرعاية حتى يُنفّذ على أرض الواقع.
- موقف الصين من الحرب الإسرائيلية-الإيرانية
خلال الحرب القصيرة التي اندلعت بين إيران وإسرائيل في يونيو/حزيران 2025، والتي استمرت نحو 12 يوما، اتخذت الصين موقفا يميل إلى إيران، لكن دون اتخاذ خطوات واسعة في دعمها.
فمبكرا، انتقدت الصين الضربات الإسرائيلية ودافعت عن حق إيران في “سيادتها وأمنها الوطني”، مع دعوات متكررة لضبط النفس واستئناف الحوار الدبلوماسي.[42] وفي اليوم الثاني للحرب، أصدرت وزارة الخارجية الصينية بيانا أدانت فيه العدوان الإسرائيلي على أراضي دولة ذات سيادة.[43] كما دعا الرئيس شي جين بينغ إلى وقف فوري لإطلاق النار، معتبرا أنه “أولوية قصوى”.[44] وعندما قصفت الولايات المتحدة المفاعلات النووية الإيرانية، اعتبر وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، أنها “شكلت سابقة سيئة”.[45]
وعند النظر إلى موقف وسائل الإعلام الصينية الرسمية، نجده أكثر صراحة في انتقاد دولة الاحتلال الإسرائيلي. فـ “تشاينا ديلي”، على سبيل المثال، وصفت الهجوم الإسرائيلي بأنه امتداد لسياسات تل أبيب بعد 7 أكتوبر، كما اعتبرت أن “التصرفات الإسرائيلية الطائشة، انتهاكا جسيما لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وللقواعد الأساسية التي تحكم العلاقات الدولية”.[46]
كذلك، استخدمت الصين لغة دبلوماسية ناقدة لإسرائيل في مجلس الأمن، عبر مندوبها فو كونغ الذي رفض أي هجمات على “منشآت نووية سلمية”، ودعا إلى استئناف المفاوضات النووية مع طهران. كما عرضت الصين التوسط لوقف القتال، مستندة إلى نجاحها في الوساطة بين السعودية وإيران عام 2023، لكن إسرائيل عمليا رفضت العرض، بسبب علاقات الصين مع طهران.
أما على صعيد الدعم العسكري، فقد تحدثت تقارير عن إرسال الصين أسلحة إلى إيران أثناء الحرب، لكن نُفيت لاحقا واتضح أنها غير دقيقة.[47] غير أن تقارير استخباراتية غربية تحدثت عن توريد الصين مواد كيميائية مزدوجة الاستخدام مثل “بيركلورات الصوديوم” و”بيركلورات الأمونيوم”، التي تُستخدم في تصنيع الوقود الصلب للصواريخ الباليستية.
وتشير البيانات إلى أن هذه المواد نُقلت عبر موانئ صينية إلى “بندر عباس” بإيران في فترات مختلفة من عام 2025 -أي بعد انتهاء الحرب- وذلك بإشراف شركات إيرانية خاضعة للعقوبات الأمريكية. وأشار خبراء إلى أن هذه المواد تسهم في تمكين طهران من إعادة إنتاج مئات الصواريخ متوسط المدى خلال أشهر قليلة، مما يجدد قدرتها على الردع.[48]
ونقلت شبكة “سي إن إن” الأمريكية عن مصادر استخباراتية أوروبية أن عدة شحنات من بيركلورات الصوديوم وصلت من الصين إلى ميناء “بندر عباس” منذ تفعيل ما يُسمى بـ”آلية الزناد” في نهاية سبتمبر/أيلول 2025. وتُشير هذه المصادر إلى أن الشحنات، التي بدأت بالوصول في 29 سبتمبر، تحتوي على 2000 طن من بيركلورات الصوديوم اشترتها إيران من موردين صينيين بعد حربها مع إسرائيل.[49] كذلك، ذكرت شركة الأمن البحري “درايد غلوبال” أن الصين وإيران أقامتا، في إطار اتفاق استراتيجي، آلية لتبادل النفط مقابل التكنولوجيا العسكرية.[50]
ولذا، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركات صينية في أبريل/نيسان، وأكتوبر/تشرين الأول 2025، متهمة إياها بالمساعدة في تطوير البرنامج الصاروخي الإيراني.[51] في هذا السياق، أبدت إسرائيل قلقها من مساعدة الصين لإيران في إعادة بناء ترسانتها، حيث حذرت من أن أي توريد صيني لمواد أو مكونات عسكرية يهدد أمنها القومي بشكل مباشر.[52]
وعلى هذا، فإن الصين انحازت دبلوماسيا لإيران، لكنها لم تمدها بأسلحة مباشرة بعد الحرب،[53] غير أن من الواضح أن هناك انفتاحا صينيا على دعم إيران عسكريا بما يفيد طهران في إعادة بناء ترسانتها، وذلك مقابل النفط الإيراني. وهو الأمر الذي يزيد العلاقات بين إسرائيل والصين تعقيدا، وإن لم يوقعها في أزمة حتى الآن.
المحور الثالث: تأثير الحرب على العلاقات الثنائية
باعتبار أن الاقتصاد هو عصب العلاقات بين الصين ودولة الاحتلال، فلم تتأثر تلك العلاقات كثيرا، بل على العكس تشير بعض البيانات أنها ازدادت. ورغم ذلك، فلا يعني هذا أن العلاقات بمجملها لم تتأثر سلبا.
- بوادر توتر
فبعد عامين من الحرب في المنطقة، يبدو أن هناك تآكل للثقة المتبادلة، خصوصا من الجانب الإسرائيلي. فقد أظهر استطلاع رأي في يوليو/تموز 2024 أن 33 بالمئة فقط من الإسرائيليين ينظرون للصين إيجابيا، في مقابل 66 بالمئة كانوا ينظرون إليها إيجابيا عام 2019.[54]
هذا التحول الشعبي ليس بعيدا عن دائرة الردود الرسمية، حيث اتهم نتنياهو الصين وقطر بـ”تنظيم هجوم على إسرائيل عبر منصات التواصل الاجتماعي في العالم الغربي والولايات المتحدة”. التصريح الذي انتقده متحدث باسم السفارة الصينية في إسرائيل، قائلا إنه “يفتقر إلى الذكاء السياسي”.[55]
برز التوتر أيضا في زيارة بوعاز توبوروفسكي، العضو في الكنيست الإسرائيلي، إلى تايوان، على رأس وفد إسرائيلي. وصرح قائلا: “تايوان صديقة حقيقية لدولة إسرائيل، التقيت اليوم على رأس وفد من الكنيست بالرئيس التايواني لاي تشينغ. تايوان صديقة حقيقية لإسرائيل دعمت وتدعم مواطنيها منذ السابع من أكتوبر وحتى اليوم”. وربما في إشارة إلى الصين، أضاف توبوروفسكي بأنه “في الوقت الذي تتخلى فيه دول كثيرة عن إسرائيل، من واجبنا أن نتذكر من هم أصدقاؤنا الحقيقيون وأن نقف إلى جانبهم كما يقفون إلى جانبنا”.[56]
هذه الزيارة أثارت غضبا صينيا، برز في بيان أصدرته سفارة بكين لدى دولة الاحتلال، حيث اتهمته بأنه “انتهك مرارا وتكرارا بشكل صارخ سياسة الصين الواحدة التي تدعمها الحكومة الإسرائيلية”، وأن تصريحاته وأفعاله الخاطئة تقوض بشدة الأساس السياسي للعلاقات الصينية الإسرائيلية، وأنه أصبح مصدر إزعاج للتطور السليم للعلاقات الثنائية. وكانت لهجة البيان الصيني تصعيدية تجاه المسؤول الإسرائيلي، حيث قال: “نحذر عضو الكنيست من أن يخدع نفسه بأنه يستطيع الإضرار بالمصالح الجوهرية للصين والمشاعر الوطنية للشعب الصيني دون ثمن. إذا لم يكبح جماح نفسه وهو على شفا الهاوية فسوف يسقط ويتحطم إربا”.[57]
وفي خضم هذا التوتر، باشر الجيش الإسرائيلي بسحب مئات المركبات الصينية من استخدام ضباطه، بناءً على أوامر مباشرة من رئيس الأركان. ووفقا لما نشرته صحيفة “يسرائيل هيوم”، جاء القرار بعد تقييم أمني خلص إلى وجود مخاطر حقيقية بتسرب معلومات حساسة أو احتمالات تنفيذ عمليات تجسس عبر أنظمة هذه المركبات، التي يبلغ عددها نحو 700 مركبة، معظمها من طراز “شيري”.[58]
وأشار التقرير إلى أن هذه الخطوة تُعد امتدادا لسياسة إسرائيلية متصاعدة تهدف إلى تقييد الاعتماد على المنتجات الصينية داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، إذ سبقتها إجراءات مماثلة تم بموجبها منع دخول المركبات الصينية إلى القواعد العسكرية، في إطار جهود أوسع لحماية البنية التكنولوجية من الاختراقات المحتملة.
وتؤكد هذه الإشارات المتضافرة على أن هناك تراجعا في الثقة بين دولة الاحتلال والصين، ما قد يعرقل تحول العلاقات إلى علاقات استراتيجية مستقبلا. ورغم ذلك، فإن هناك حوارا مستمرا بين الطرفين، كما أن النشاط التجاري مستمر كما أسلفنا.
- استمرار التعاون
في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، عُين شياو جونجينغ، سفيرا جديدا لدى دولة الاحتلال، في خطوة تعكس رغبة الصين في الحفاظ على التعاون مع إسرائيل، في ظل حالة تراجع الثقة التي تبعت “طوفان الأقصى”. وقد أدان السفير الجديد عملية 7 أكتوبر، في خروج واضح عن مواقف سابقة.[59] كما زار المبعوث الصيني زهاي جون، دولة الاحتلال، في يناير/كانون الثاني 2025، والتقى مسؤولين في وزارة الخارجية، مؤكدا دعم بكين لوقف إطلاق النار واستمرار التعاون في مختلف المجالات.[60]
وفي فبراير/شباط 2025، التقى وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، بنظيره الإسرائيلي جدعون ساعر في ميونيخ، حيث شدّد قال إن “الشعبين الصيني واليهودي يجمعهما تاريخ طويل من العلاقات”، وأن بلاده تنظر دائما إلى تطوير علاقاتها مع إسرائيل من منظور طويل الأمد، وأنها على استعداد للعمل مع إسرائيل لدفع تطوير الشراكة الشاملة المبتكرة بين الصين وإسرائيل.[61]
وعلى الجانب الاقتصادي، بعد تراجع أن بلغ حجم التجارة الثنائية في 2023 نحو 14.57 مليار دولار، شهدت السنة التالية انتعاشا ملموسا وبلغت نحو 16.28 مليار دولار، مع نمو يبلغ 11.7 بالمئة. وقد كانت الواردات الصينية إلى إسرائيل المحرك الرئيس لهذا النمو، حيث ارتفعت من 11.268 مليار دولار إلى 13.517 مليار دولار، أي بنسبة زيادة تقارب 20 بالمئة. ويعكس هذا الاتجاه زيادة إسرائيل في الاعتماد على الواردات الصينية، حيث شكلت حوالي 83 بالمئة من إجمالي التجارة بين الجانبين.[62]
في ضوء هذه التطورات، يمكن القول إن حرب غزة وامتدادها مثّلت اختبارا لقدرة العلاقات الصينية الإسرائيلية على التكيّف مع الأزمات السياسية. فقد كشفت عن حدود الشراكة بين الطرفين، حيث تراجعت الثقة السياسية نسبيا، فيما حافظت المصالح الاقتصادية على متانتها إلى حد بعيد.
فمن منظور إسرائيل، من الصعب التخلي عن شريك اقتصادي وسياسي كبير مثل الصين، سواء بسبب حجم التجارة والاستثمارات المشتركة أو الدور الدبلوماسي الذي تلعبه بكين في المنطقة، بما في ذلك قدرتها على التأثير ضمن المحافل الدولية. إضافة إلى ذلك، تعتبر الصين جسرا مهما للتواصل مع العالم الآسيوي، ما يمنحها أهمية استراتيجية خاصة لإسرائيل.
ومن جانب الصين، ما زالت ترى قيمة كبيرة في التعاون مع إسرائيل، خاصة بالنظر إلى القدرات التكنولوجية المتقدمة التي تمتلكها، بما في ذلك الابتكار في مجالات الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني. كما أن إسرائيل تتمتع بنفوذ داخل الولايات المتحدة من خلال لوبي قوي يمكن أن يساعد بكين على حماية مصالحها الاقتصادية والسياسية بشكل أو بآخر.
وبالتالي، ورغم أن الأحداث الإقليمية والمواقف المتباينة لأطراف ثالثة قد تضع الطرفين أحيانا على طرفي نقيض، فإن براغماتية الجانبين وسعيهما للحفاظ على مصالحهما المشتركة يسهل استمرار التعاون في المجالات المتاحة، سواء على المستوى الاقتصادي أو التكنولوجي، مع المحافظة على حد معقول من التوازن السياسي والدبلوماسي.
ومع ذلك، يبقى هذا التوازن معرضا لتحديات متعددة. فالمنافسة المستمرة بين واشنطن وبكين تضع إسرائيل في موقف حساس، حيث تتعرض لضغوط أمريكية مستمرة للحد من اعتمادها على التكنولوجيا الصينية أو التعاون الاستراتيجي مع بكين. بالإضافة إلى ذلك، أي تصعيد جديد في المنطقة، سواء بين إسرائيل وجيرانها أو في الملفات الإقليمية الكبرى مثل الملف الإيراني، يختبر صلابة العلاقة الصينية-الإسرائيلية وقدرتها على الصمود أمام الضغوط المتزامنة.
وبالتالي، ليس مضمونا أن تبقى العلاقة بعيدا عن الأزمات، إذ يمكن لأي تغييرات مفاجئة أو تحولات جيوسياسية حادة أن تؤدي إلى توترات أعمق، تعيد رسم أولويات التعاون أو تحد من المساحات البراغماتية التي اعتمد عليها الطرفان حتى الآن.
خاتمة
تُظهر العلاقة الصينية-الإسرائيلية مسارا متدرجا منذ الخمسينيات، بدءا بمحاولات الاتصال المحدودة في ظل البيئة الدولية المشحونة بالحرب الباردة، مرورا بالانفتاح الجزئي في السبعينيات، ثم إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية في 1992 التي فتحت المجال لتعاون اقتصادي وتقني. وقد شكّل الاقتصاد والتكنولوجيا المحرك الأساسي للعلاقات، في حين بقي الإطار السياسي حساسا، يتأثر بالموازنة بين الضغوط الأمريكية والمصالح الإسرائيلية والصينية.
وبمرور الوقت، أثبتت العلاقات قدرة على التكيف، لكنها لم تكن خالية من الاختبارات، سواء في ظل الضغوط الأمريكية على الصفقات الدفاعية، ومؤخرا في مواجهة الأزمات الإقليمية مثل حرب غزة عام 2023 والتصعيد الإيراني-الإسرائيلي. حيث أظهرت هذه الأحداث تحديات تعترض الثقة السياسية بين الطرفين، لكنها أكدت في الوقت نفسه ثبات المصالح الاقتصادية والتكنولوجية المشتركة، وهو ما يعكس براغماتية الصين وإسرائيل في إدارة شراكتهما.
ومع أن العلاقات الصينية-الإسرائيلية أظهرت قدرة على الاستمرار رغم الضغوط، فإن مستقبلها يظل مرهونا ببيئة دولية تتغير سريعا، خاصة مع تصاعد التنافس بين واشنطن وبكين. فكلما اشتد هذا التنافس، ازداد الضغط على إسرائيل لإعادة ضبط علاقتها مع الصين، الأمر الذي قد يفتح أمام الدول العربية فرصة أوسع لاجتذاب بكين نحو مسارات تعاون مختلفة.
غير أن تحويل هذا الاحتمال إلى واقع يتطلب رؤية عربية أكثر تماسكا، تضع القضية الفلسطينية ضمن أولويات الحوار مع الصين، وتعمل على إدراجها كأحد مسارات التعاون، بما يشمل الطلب المباشر من بكين تعزيز دورها ودعمها في هذا الملف. بهذه المقاربة يمكن للعالم العربي أن يستفيد من التحولات الجارية وأن يوسع من هامش التأثير في توجهات الصين الإقليمية.
المصادر
[1] Shira Efron, Howard J. Shatz, Arthur Chan, Emily Haskel, Lyle J. Morris, and Andrew Scobell, “The Evolving Israel-China Relationship,” RAND Corporation, March 21, 2019 – Link.
[2] Yitzhak Shichor, “Out of Proportion: Israel’s Paradox In China’s Middle Eastern Policy,” Middle East Policy, February 18, 2025, 32:54–73 – Link.
[3] Israel’s International Relations: Israel-China Relations, Jewish Virtual Library, accessed on October 21, 2025 – Link
[4] Yitzhak Shichor, “Hide and Seek: Sino-Israeli Relations in Perspective,” Israel Affairs, Vol. 1, No. 2 (1994), pp. 188–208 – Link
[5] Yitzhak Shichor, “The U.S. Role in Delaying Sino-Israeli Relations: Two’s Company, Three’s a Crowd,” Jewish Political Studies Review, Vol. 22, No. 1/2 (Spring 2010), pp. 7–32, Jerusalem Center for Public Affairs – Link
[6] Yitzhak Shichor, “Striking When the Iron is Cold: Moshe Sharett and Sino-Israeli Relations,” Israel Studies, Vol. 20, No. 3 (Fall 2015), pp. 102–130, Indiana University Press – Link
[7] المصدر نفسه
[8] Kadir Temiz, Chinese Foreign Policy Toward the Middle East (Politics in Asia), 1st Edition, Routledge, September 30, 2021 – Link
[9] محمد خير الوادي، العلاقات الصينية-الإسرائيلية.. الحسابات الباردة، دار الفارابي، الطبعة الأولى 2012.
[10] Aron Shai, China and Israel: Chinese, Jews; Beijing, Jerusalem (1890–2018), Academic Studies Press, 2019 – Link
[11] Galia Lavi, “Interview with Prof. Yitzhak Shichor: American Interests Affect the Changes in Israel-China Relations,” The Institute for National Security Studies (INSS), August 8, 2022 – Link
[12] China Research Unit, “The Future of China-Israel Relations Amid Beijing’s Position on Gaza War,” Emirates Policy Center, April 3, 2024 – Link
[13] Banu Eligür, “Chinese-Israeli Relations: Between Opportunities and Constraints,” Doğu Asya Araştırmaları Dergisi, Vol. 5, No. 10, June 30, 2022, pp. 1–25
[14] Yitzhak Shichor, “The U.S. Role in Delaying Sino-Israeli Relations: Two’s Company, Three’s a Crowd,” Jewish Political Studies Review, Vol. 22, No. 1/2 (Spring 2010), pp. 7–32, Jerusalem Center for Public Affairs – Link
[15] Yitzhak Shichor, “Israel’s Military Transfers to China and Taiwan,” Survival, Vol. 40, No. 1, 1998, pp. 68–91 – Link
[16] Galia Lavi, “Interview with Prof. Yitzhak Shichor: American Interests Affect the Changes in Israel-China Relations,” The Institute for National Security Studies (INSS), August 8, 2022 – Link
[17] Giorgio Cafiero, “How Steady Are China-Israel Relations?” Arab Center Washington DC, August 28, 2023 – Link
[18] Giulia Interesse, “China-Israel Bilateral Trade and Investment Outlook,” China Briefing, October 11, 2023 – Link
[19] “China-Israel innovation park marks 10th anniversary in Tel Aviv,” China Daily, January 23, 2025 – Link
[20] David Brennan, “Chinese Deal to Take Over Key Israeli Port May Threaten U.S. Naval Operations, Critics Say,” Newsweek, September 14, 2018 – Link
[21] Shira Efron, Howard J. Shatz, Arthur Chan, Emily Haskel, Lyle J. Morris, and Andrew Scobell, “The Evolving Israel-China Relationship,” RAND Corporation, March 21, 2019 – Link.
[22] John Gee, “Phalcon Fight Over at Last, as Israel Agrees to Pay China $350 Million,” Washington Report on Middle East Affairs, April 2002, pp. 47, 49–50 – Link
[23] Conal Urquhart, “US acts over Israeli arms sales to China,” The Guardian, June 13, 2005 – Link
[24] Hiddai Segev, “Sino-Israeli Security Relations: In America’s Shadow,” Middle East Institute, May 15, 2018 – Link
[25] Barak Ravid, “Scoop: Israel to increase reviews of foreign investments after U.S. pressure,” Axios, November 23, 2022 – Link
[26] Roie Yellinek, “The Israel-China-U.S. Triangle and the Haifa Port Project,” Middle East Institute, November 27, 2018 – Link
[27] “Under pressure from US, Israel forms panel to examine foreign investments,” The Times of Israel, October 30, 2019 – Link
[28] AFP and ToI Staff, “Amid US pressure, Israel taps local firm over China for $1.5b desalination plant,” The Times of Israel, May 26, 2020 – Link
[29] حسين الديك، الصين وإسرائيل ومتلازمة المصالح المتبادلة، مركز الدراسات العربية الأوراسية، 13 فبراير/شباط 2025 – الرابط
[30] Christina Lu, “How China Is Leveraging the Israel-Hamas War,” Foreign Policy, January 31, 2024 – Link
[31] “طوفان الأقصى”.. الصين تدعو لوقف التصعيد وبايدن يتعهد بدعم إسرائيل، الجزيرة نت، 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 – الرابط
[32] Chen Qingqing, “Chinese FM says Israel’s actions go beyond self-defense, calls to avoid collective punishment of Gaza people,” Global Times, October 15, 2023 – Link
[33] “China meets Hamas for first time since war with Israel began,” The Times, March 19, 2024 – Link
[34] Maayan Hoffman, “Chinese ambassador: Hamas attack was ‘outrageous,’ but peace requires two states,” Yedioth Ahronoth, December 5, 2025 – Link
[35] إسرائيل تتعرض لانتقادات بمحكمة العدل والصين تؤكد حق المقاومة المسلحة، الجزيرة نت، 22 فبراير/شباط 2024 – الرابط
[36] Ambassador Fu Cong, “Remarks on the Palestinian-Israeli Issue at the UN Security Council Briefing,” Permanent Mission of China to the UN, March 21, 2025 – Link
[37] الرئيس الصيني يعلن تقديم 69 مليون دولار مساعدات للفلسطينيين، صحيفة العرب القطرية، 31 مايو/أيار 2024 – الرابط
[38] روسيا والصين تستخدمان الفيتو ضد مشروع قرار أمريكي يؤكد أهمية وقف إطلاق النار في غزة، الموقع الرسمي للأمم المتحدة، 22 مارس/آذار 2024 – الرابط
[39] الصين: الفصائل الفلسطينية تتفق على تشكيل “حكومة مصالحة”، دويتشه فيله الألمانية، 23 يوليو/تموز 2024 – الرابط
[40] رزان شوامرة، الصين والإبادة الجماعية في غزة: نأي إستراتيجي، الشبكة، 16 سبتمبر/أيلول 2025 – الرابط
[41] Lin, X., “China’s Engagement in Conflicts: A Comparative Study between Iran’s Nuclear Issue and the Palestinian-Israeli Conflict,” Master’s thesis, European University Institute, School of Transnational Governance, 2022
[42] Foreign Ministry Spokesperson Lin Jian, “Regular Press Conference on June 13, 2025,” Ministry of Foreign Affairs of the People’s Republic of China, June 13, 2025 – Link
[43] الموقف الروسي والصيني تجاه الحرب بين إيران وإسرائيل: الأبعاد والمحددات، الشارع السياسي، 21 يوليو/تموز 2025 – الرابط
[44] علي أبو مريحيل، بوتين وشي يدينان الضربات الإسرائيلية على إيران ويدعوان إلى حل دبلوماسي، العربي الجديد، 19 يونيو/حزيران 2025 – الرابط
[45] وزير خارجية الصين: الهجمات الإسرائيلية والأميركية على إيران «سابقة سيئة»، الشرق الأوسط، 23 يونيو/حزيران 2025 – الرابط
[46] الموقف الصيني من الصراع الإسرائيلي الإيراني، مركز الدراسات العربية الأوراسية، 16 يونيو/حزيران 2025 – الرابط
[47] Galia Lavi and Ori Sela, “Committed to Itself: China and the Israel-Iran War,” The Institute for National Security Studies (INSS), July 14, 2025 – Link
[48] Fatima Abo Alasrar, “How China turned the Red Sea into a strategic trap for the US,” Atlantic Council, May 5, 2025 – Link
[49] مصادر استخباراتية لـCNN: الصين تساعد إيران على إعادة تسليح نفسها رغم العقوبات، سي إن إن، 30 أكتوبر/تشرين الأول 2025 – الرابط
[50] “النفط مقابل التقنية العسكرية”.. إيران والصين تلتفان على العقوبات، إيران انترناشونال، 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 – الرابط
[51] U.S. Department of the Treasury, “Treasury Targets Network Procuring Missile Propellant Ingredients for Iran,” April 29, 2025 – Link.
[52] Tahir Qureshi, “Israel accuses China of helping Iran to rebuild its ballistic missiles programme, warns Beijing,” India.com, July 27, 2025 – Link
[53] John Calabrese, “The 12-day Israel-Iran war: China’s response and its implications,” Middle East Institute, July 10, 2025 – Link
[54] Roy Ben Tzur, “From Curiosity to Skepticism: Israeli Public Opinion on China,” The Institute for National Security Studies (INSS), December 2024 – Link
[55] الصين ترد على نتنياهو: إسرائيل تفتقر إلى “الذكاء السياسي”، سكاي نيوز عربية، 18 سبتمبر/أيلول 2025 – الرابط
[56] علي أبو مريحيل، الصين غاضبة من زيارة عضو في الكنيست الإسرائيلي إلى تايوان، العربي الجديد، 23 سبتمبر/أيلول 2025 – الرابط
[57] المصدر نفسه
[58] إسرائيل تسحب مئات السيارات الصينية من ضباطها، الجزيرة نت، 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 – الرابط
[59] Maayan Hoffman, “Chinese ambassador: Hamas attack was ‘outrageous,’ but peace requires two states,” Yedioth Ahronoth, December 5, 2025 – Link
[60] Special Envoy Zhai Jun of the Chinese Government on the Middle East Issue Visits Israel, January 17, 2025 – Link.
[61] Wang Yi Meets with Israeli Foreign Minister Gideon Sa’ar, February 15, 2025 – Link.
[62] Tomer Fadlon, “Trends in Israel–China Trade in 2024,” The Institute for National Security Studies (INSS), May 25, 2025 – Link.
