المحتويات
مقدمة
أولا: فشل مسار التفاوض وتصاعد التوتر
ثانيا: محددات تحول الموقف المصري
ثالثا: تطور المقاربة المصرية إزاء إثيوبيا
- العمل على تطويق إثيوبيا
- تعزيز السردية المصرية قانونيا ودبلوماسيا
- اتخاذ إجراءات فنية لتوسيع هامش الحركة
رابعا: وساطة أمريكية منتظرة
مقدمة
في 21 يناير/كانون الثاني 2026، أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، سعيه لإحياء مفاوضات سد النهضة، وذلك خلال لقاء مع عبد الفتاح السيسي على هامش منتدى دافوس. أتى ذلك عقب رسالة رسمية أكد فيها استعداد واشنطن لاستئناف الوساطة ورفض الإضرار بدول المصب.
وجاء هذا التحرك في سياق أزمة ممتدة حول ملء وتشغيل سد النهضة، تطالب فيها مصر والسودان باتفاق قانوني ملزم، مقابل رفض إثيوبي، ما قاد إلى تعثر المفاوضات، وصولا إلى إعلان مصر في ديسمبر/كانون الأول 2023 فشل الجولة الأخيرة.
وأعقب ذلك تكثيفا لتحركات مصرية على عدة مسارات، فُسِّرت في أديس أبابا باعتبارها تصعيدا سياسيا ودبلوماسيا، بل و”تهديدا مبطنا”، سواء فيما يتعلق بالسد ذاته أو بملفات أوسع، بما في ذلك مسألة وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر.
ومع تصاعد حدة الخلاف، برزت إشارات متزايدة إلى احتمالات لجوء مصر إلى خيارات أكثر خشونة للدفاع عن “مصالحها الوجودية”، وفي مقدمتها الخيار العسكري. ويأتي ذلك في سياق تراكم مؤشرات على محدودية قدرة مسار التفاوض بمفرده على ضبط السلوك الإثيوبي، خاصة بعد اكتمال بناء السد وبدء تشغيله خارج أي إطار قانوني ملزم، رغم سنوات من التعويل المصري على الأدوات الدبلوماسية.
ويفرض هذا التحول في المقاربة المصرية تتبع محدداته وسياقاته لفهم منطقه، في وقت بات فيه سد النهضة واقعا ماثلا. وانطلاقا من ذلك، ترصد هذه الورقة المسارات والإجراءات التي تعتمد عليها مصر حاليا في إدارة الأزمة. كذلك، تتناول مقترح الوساطة الذي طرحه الرئيس الأمريكي وكيفية التعاطي المصري معه. ولا تستهدف الورقة تقييم جدوى هذه الخيارات -إذ يتطلب ذلك معالجة مستقلة- بقدر ما تسعى إلى توصيف وتحليل الإطار الذي يتحرك داخله صانع القرار المصري في المرحلة الحالية.
أولا: فشل مسار التفاوض وتصاعد التوتر
في بداية عام 2025، بدأت أزمة سد النهضة الإثيوبي تتصاعد تدريجيا، حيث أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، في 20 مارس/آذار، أمام البرلمان الإثيوبي، عن أن السد سوف يُدشّن رسميا مع بداية السنة الإثيوبية الجديدة، أي في سبتمبر/أيلول، مشيرا إلى أن بلاده “لا تزال منفتحة على مزيد من الحوار (مع مصر) لمعالجة أية مخاوف عن بناء السد وتشغيله”.[1] وتلى ذلك إعلان مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي، في أبريل/نيسان، عن اكتمال 98.66 بالمئة من بناء سد النهضة وتشغيل 6 وحدات توليد كهربائي.[2]
ومع دخول يوليو/تموز، بلغ التصعيد ذروته المبكرة عندما أعلن آبي أحمد أمام البرلمان الإثيوبي في 3 يوليو اكتمال بناء السد بالكامل، واصفا إياه بـ “رمز السيادة الوطنية” الذي سيولد 5,150 ميغاواط من الكهرباء، ودعا مصر والسودان إلى التعاون، مدعيا أن السد لن يقلل من حصصهما المائية بناءً على دراسات هيدروليكية داخلية. كما وجه الدعوة لمصر والسودان وشعوب حوض النيل للمشاركة في الاحتفال “بهذه المحطة التاريخية”، وفق وصفه.[3].
وفي اليوم ذاته، رد وزير الموارد المائية والري المصري، معتبرا أن “نهج إثيوبيا قائم على محاولة فرض الهيمنة المائية بدلا من الشراكة والتعاون وهو ما لن تسمح به مصر”. وأضاف أن “ما يصدر عن إثيوبيا من دعوات متكررة لاستئناف التفاوض لا يعدو كونه محاولات شكلية تهدف لتحسين صورتها دوليا”، مؤكدا أن “الواقع العملي ومسار التفاوض الممتد لأكثر من 13 عاما يُظهر غياب الإرادة السياسية لدى إثيوبيا للتوصل لاتفاق”. كما وصف الوزير المواقف الإثيوبية بأنها “تتسم بالمراوغة والتراجع وتفرض سياسة الأمر الواقع، وتناقض ما تظهره من رغبة في التفاوض”.[4]
وفي أغسطس/آب، استمرت إثيوبيا في الترويج لإنجازها، إذ أكد وزير الري الإثيوبي هبتامو أتفا (Habtamu Itefa)، في 29 من الشهر ذاته اكتمال جميع مراحل بناء وتعبئة سد النهضة. وبموازاة ذلك، استمرت الرسائل الإثيوبية في الادعاء بأن السد يمثل مشروعا تكامليا بين دول المنبع والمصب، وأنه أداة للتعاون وتبادل المنافع وإنهاء الخلافات وليس سببا للنزاع كما صوّر في بعض المراحل. ودعا الوزير إلى إبعاد الملف عن التجاذبات السياسية وما سماها المطالبات ذات الطابع الاستعماري، مطالبا بالتحلي بروح التعاون وبناء الثقة، والتوقف عن الحملات الإعلامية التي لا تخدم مصالح الشعوب والدول المعنية، على حد قوله.[5]
لكن هذا الخطاب، الذي وصفه البعض بأنه “قفز فوق عمق الأزمات بمسحة من الصوابية السياسية”[6]، لم تقرأه مصر على أنه نابع من حسن نية إثيوبية، ذلك أن السد كمشروع تم إنجازه بالفعل دون اتفاق ملزم بسبب التعنت الإثيوبي. وبالتالي، فما فعلته أديس أبابا هو وضع دول المصب أمام الأمر الواقع، ثم الدعوة إلى “تبادل المنافع”.
ردت مصر بتكثيف حملتها الدبلوماسية، حيث أرسلت خطابا لمجلس الأمن الدولي تتهم فيه إثيوبيا بانتهاك مبدأ الاستخدام العادل للمياه. وأوضح الخطاب الذي أرسله وزير الخارجية بدر عبد العاطي، أنه “رغم كل المساعي الواهية لمنح السد الإثيوبي، غطاء زائفا من القبول والشرعية، إلا أن السد يظل إجراء أحاديا مخالفا للقانون والأعراف الدولية ولا ينتج عنه أية تبعات من شأنها التأثير على النظام القانوني الحاكم لحوض النيل الشرقي طبق القانون الدولي”.[7]
ورغم ذلك، استمرت إثيوبيا في خططها، بل وأعلن آبي أحمد خططا لمشاريع سدود إضافية على النيل الأزرق خلال السنوات الخمس إلى الخمس عشرة القادمة، مشيرا إلى أن “كثيرا من أصدقائنا ناقشوا، وحذروا، وهددوا” إثيوبيا من تشغيل السد، ومكررا رغبة بلاده في “ألا يسبب سد السد قلقا أو مخاوف” لدى القاهرة والخرطوم.[8]
ثم في أكتوبر/تشرين الأول، تحول التركيز إلى عمليات التشغيل الأولية للسد، حيث اتهمت مصر إثيوبيا في 3 أكتوبر باتخاذ “تصرفات أحادية متهورة” تمثلت في إغلاق مفيضات السد فجأة، مسببة بذلك أضرارا في السودان وتهديدا محتملا لمصر.[9]
وحرص البيان المصري، الصادر عن وزارة الموارد المائية والري، على توضيح تفاصيل الخرق الإثيوبي، ليؤكد أن التشغيل الأحادي للسد يهدد دول المصب، فضلا عن أنه لن يضمن حقوقها. وذكر البيان أن من الناحية الفنية، كان من المفترض أن تبدأ إثيوبيا في تخزين المياه بسدها بشكل تدريجي منذ بداية يوليو/تموز وحتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول، ثم تصرّفها بانتظام لتوليد الكهرباء على مدار العام. لكن في نهاية أغسطس/آب، لوحظ أن مشغلي السد الإثيوبي خالفوا القواعد الفنية والعلمية المتعارف عليها، حيث خزّنوا كميات أكبر من المتوقع من مياه الفيضان مع تقليل التصريفات من نحو 280 مليون م³ إلى 110 ملايين م³ يوم 8 سبتمبر/أيلول 2025.
وعلى هذا، اتهمت مصر إثيوبيا بـ “العشوائية والعبث في الإدارة”، وأنها تدير السد بطريقة “غير منضبطة وغير مسؤولة”، قائلة إن “هذا التصرف العبثي وغير المنضبط، والذي لا هدف له سوى “الاستعراض الإعلامي والسياسي”، قد “ألحق خسائر فادحة بالسودان الشقيق”.
وردت إثيوبيا بأن ما تقوله مصر عبارة عن “اتهامات وبيانات تشهيرية”، وادعت أنه “مليء بما سمتها المغالطات والتناقضات والتشوهات”، وانتقدت ما أسمتها “النبرة الوصائية المصرية وافتراضها حق التحدث باسم جيرانها”.[10]
واستمر التصعيد على مستوى الخطاب بين الطرفين في شهر نوفمبر/تشرين الثاني، حيث نشرت رئاسة الوزراء المصرية بيانا عقّبت فيه على “استمرار التصرفات الأحادية وغير المنضبطة” المرتبطة بعمليات تشغيل سد النهضة، معتبرة أن هذه التصرفات المتتابعة تعكس غياب الضوابط الفنية والعلمية في تشغيل السد الإثيوبي، واستمرار النهج العشوائي في إدارة منشأة بهذا الحجم على نهر دولي.[11]
وكذلك كان الأمر في ديسمبر/كانون الأول، حيث اتهمت وزارة الخارجية الإثيوبية مصر بـ “شن حملة لزعزعة الاستقرار في منطقة القرن الإفريقي”. وذكر بيان للخارجية الإثيوبية أن القاهرة ما زالت متأثرة “بعقلية الحقبة الاستعمارية”، وأن المسؤولين المصريين يدعون “احتكار مياه النيل تحت ذريعة معاهدات تم إبرامها خلال الحقبة الاستعمارية”.
وزعم البيان أن طريقة تفكير المسؤولين المصريين حول “الحقوق التاريخية المزعومة في مياه النيل تُمَثِل فشلا في منظومة القيادة”، وطالبت الخارجية الإثيوبية مصر بالتخلي عما وصفته بـ “الاستراتيجية البالية التي لم تعد تُخيف إثيوبيا قط”. وأوضح أن التصريحات المتكررة للمسؤولين المصريين، الرافضة للحوار رفضا قاطعا، والموجهة لتهديدات مبطنة وغير مبطنة تجاه إثيوبيا، هي مظاهر “فشل الحكومة المصرية” في استيعاب ما وصفه البيان الإثيوبي بـ “حقائق القرن الحادي والعشرين”، بهدف جعل الدول “تابعة ومطيعة وضعيفة ومجزّأة، تنفّذ أوامر القاهرة”.[12]
وفي المقابل، استمرت مصر في التأكيد على أنها ستتصدى لأي ضرر يمس حقوقها المائية استنادا إلى قواعد القانون الدولي، مشيرة إلى أنها -بطبيعة الحال- لن تُعلن مسبقا عن طبيعة الإجراءات التي قد تتخذها لحماية مصالحها.[13] وتكرر التأكيد المصري بأن مصر ستتخذ كافة الإجراءات لحماية أمنها المائي.[14] وشمل ذلك التلويح بإمكانية شن عمل عسكري.[15]
وعلى هذا، يمكن القول إن فشل خيار التفاوض جاء نتيجة تراكمية لمسار طويل، حاولت فيه مصر إلزام إثيوبيا من جهة، وحاولت الأخيرة من جهة أخرى كسب الوقت حتى تفرض واقعا جديدا، وهو ما يبدو أنها نجحت فيه حتى الآن، مع افتتاح السد وتشغيله فعليا في سبتمبر/أيلول 2025.[16]
ومن الواضح أن النظام المصري وصل إلى قناعة مفادها أن التفاوض، بصيغته السابقة، لم يعد قادرا على التوصل لضمانات حقيقية، خاصة مع تحول السد إلى منشأة عاملة تؤثر فعليا على تدفقات المياه. لكن هذا من جهة أخرى، يفتح الحديث حول محددات التحول في موقف مصر، وأوراقها المتبقية، في ظل توقف المفاوضات.
ثانيا: محددات تحول الموقف المصري
يمثل التحول الذي طرأ على الموقف المصري إزاء أزمة سد النهضة نتاجا لتراكم جملة من المحددات السياسية والقانونية والفنية. فطوال ما يربو على 14 عام، تعاملت مصر مع التفاوض باعتباره أداة لحل الأزمة، حيث كان الهدف هو الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم حول تشغيل السد، دون الدخول في صراع.[17] غير أن هذه الفرضية بدأت في التآكل تدريجيا بفعل التعنت الإثيوبي، إلى أن فقدت مضمونها بالكامل مع اكتمال بناء السد وبدء تشغيله خارج أي إطار متفق عليه بين الأطراف المعنية. وعلى هذا، كان على النظام المصري أن يعيد تقييم جدوى المسار القائم بكليّته.[18]
أحد أبرز محددات هذا التحول يتمثل في أن أشكال مختلفة من التفاوض قد استُخدمت، فعلى مدار سنوات طويلة، شاركت مصر في جولات تفاوضية متعددة، سواء الثلاثية المباشرة أو تلك التي جرت برعاية أطراف دولية وإقليمية، من الاتحاد الإفريقي إلى روسيا والولايات المتحدة،[19] مع الالتزام الدائم بخطاب قانوني يستند إلى مبادئ القانون الدولي للأنهار، وعدم الإضرار، والتعاون، والإخطار المسبق.
إلا أن النمط الذي اتبعته إثيوبيا في كل هذه الجولات، والقائم على إطالة أمد الحوار دون التزامات واضحة، أفرغ عملية التفاوض من مضمونها، وحوّلها إلى غطاء سياسي يسهّل على إثيوبيا تكريس الأمر الواقع. وبالتالي، فإن الاستمرار في استخدام الوسيلة ذاتها بالأسلوب نفسه، لن يخدم إلا مرامي إثيوبيا. وهذا ما بات يدركه الطرف المصري، وإن كان متأخرا، حيث صرح وزير الخارجية، قائلا: “سبق أن أعلنا أن المسار التفاوضي وصل إلى طريق مسدود، ولا مجال لاستئنافه حاليا لأنه ليس هناك ما يبرر ذلك بعد استنزاف 13 سنة في مفاوضات عبثية بسبب سوء نية الطرف الآخر”.[20]
ويرتبط بذلك تراجع فاعلية الوساطة الدولية. فعلى الرغم من لجوء مصر المتكرر إلى الأطر الدولية، بما في ذلك مجلس الأمن، وإبداء استعدادها للقبول برعاية أطراف دولية أو إقليمية، فإن نتائج هذه المساعي ظلت محدودة، بما فيها تلك الجهود التي رعتها الولايات المتحدة. إذ لم تنجح الضغوط الدولية في دفع إثيوبيا نحو التوقيع على اتفاق ملزم، كما لم تُفعَّل الآليات الدولية القادرة على فرض التزامات واضحة.[21] هذا بدوره عزز قناعة متزايدة داخل المؤسسات المصرية بأن الاعتماد على المجتمع الدولي كضامن وحيد لم يعد كافيا لتحقيق المصالح المصرية.
إلى جانب ذلك، أسهم اكتمال السد في إحداث تحول في طبيعة نظر صانع القرار المصري للأزمة. فقبل الوصول إلى هذه المرحلة، كان النظام يتعامل مع المشروع باعتبار أنه قيد الإنشاء، وكان من الممكن -نظريا على الأقل- التأثير على قواعد ملئه وتشغيله، باعتبار حاجة إثيوبيا إلى استكمال مشروعها. أما بعد اكتمال البناء وبدء التشغيل الفعلي، فقد انتقلت الأزمة من إلى مستوى آخر،[22] باتت لإثيوبيا فيه تحكما فعليا في مياه النيل، بما يحمله ذلك من آثار مباشرة ومحتملة على الأمن المائي المصري.[23]
ومن المحددات المهمة أيضا تغير السياق الإقليمي المحيط بالأزمة. فقد شهدت منطقة القرن الإفريقي تحولات متسارعة خلال السنوات القليلة الماضية، شملت صراعات داخلية، وإعادة ترتيب للتحالفات.[24] وفي هذا السياق، برزت بشكل أكبر خطورة سد النهضة، باعتباره أداة في يد طرف يحمل توجهات “معادية” للمصالح المصرية، وله صلات قوية بأطراف أخرى تتضارب مصالحها الخارجية مع مصالح مصر في عدة ساحات. وقد استعرضنا هذا بشكل أكثر تفصيلا في ملف “الدور الإثيوبي في “أرض الصومال” والبحر الأحمر.. التداعيات والمخاطر وخيارات مصر لمواجهته“.
في هذا الإطار، تأتي مساعي إثيوبيا الحثيثة للوصول إلى البحر الأحمر، عبر اتفاقها مع إقليم أرض الصومال، وما تلاه من اعتراف إسرائيلي بالإقليم، بما يفتح الباب أمام حضور إسرائيلي على أحد أهم الممرات البحرية الحيوية. فهذا التطور يعد عاملا إضافيا يعقّد الحسابات المصرية، إذ يربط بين ملف سد النهضة، ومحاولات إعادة تشكيل خرائط النفوذ في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، ويمنح إثيوبيا هوامش مناورة أوسع عبر الانفتاح على أطراف قادرة على التأثير في معادلات الأمن الإقليمي. وقد سبق للمركز أن ناقش أبعاد التغلغل الإسرائيلي في القارة الإفريقية، وتأثيره على ملفات تهم الأمن القومي المصري، في ملف “مصر والتوغل الإسرائيلي في إفريقيا.. التحديات والتهديدات“.
كذلك، أسهمت الحرب الدائرة في السودان في زيادة التحديات التي تواجهها مصر، بعدما أضعفت أحد أطراف التفاوض الرئيسيين، وقلصت قدرة السودان على لعب دور فاعل في إدارة الأزمة بالتنسيق مع مصر.
وبالتالي، فإن مجمل هذه التحولات الإقليمية تجعل مصر أكثر حساسية للتداعيات السياسية والأمنية المترتبة على سد النهضة، مقارنة بما كانت عليه خلال السنوات الماضية، الأمر الذي يفرض عليها بطبيعة الحال اتخاذ خطوات أكثر جدية وفعالية حيال الخطر الذي باتت تمثله السياسات الإثيوبية.
وهناك محدد آخر يرتبط بشخص السيسي أكثر مما يرتبط بمؤسسات الدولة ذات الصلة، ويتصل بالخبرة التراكمية في إدارة الأزمة. ففي 23 مارس/آذار 2015، وقّع السيسي مع قادة كل من السودان وإثيوبيا إعلان المبادئ بشأن سد النهضة.[25] في خطوة أفادت تقارير لاحقة بأنها اتُّخذت رغم تحفظات داخل بعض مؤسسات الدولة.
ورغم أن الاتفاق كان به العديد من المشكلات التي مكنّت إثيوبيا فيما بعد من استكمال بناء السد، ورغم أنه قيّد التحركات المصرية قانونيا على الأقل، إلا أن السيسي كان يعوّل على قدراته الشخصية في إقناع الطرف الإثيوبي باتفاق ملزم حول السد. ثم في 10 يونيو/حزيران 2018، جعل السيسي، خلال مؤتمر صحفي، آبي أحمد يكرر القسم بالعربية: “والله لن نقوم بأي ضرر بالمياه في مصر”، في مشهد نال سخرية كثيرين.[26]
هذا السلوك دلل على أن رأس النظام المصري لم يكن يدرك عمق الأزمة ولا حقيقة نوايا الطرف الإثيوبي، غير أن بعد أكثر من عقد من التفاوض، أدرك السيسي محدودية الرهان على تغيير السلوك الإثيوبي عبر الطمأنة أو الضغوط الدبلوماسية. وهذا ما شجع في نهاية المطاف على وضع حد للمسار التفاوضي بشكله المعهود.
وفي ضوء ما سبق، يتضح أن التحول في الموقف المصري إزاء أزمة سد النهضة ربما يكون نتيجة حتمية بعد أن فشل الرهان على مسار التفاوض. فقد اكتمل بناء السد دون اتفاق، وتصاعدت التحركات الإثيوبية ضد مصر خاصة في أرض الصومال، كما تزايدت التدخلات في السودان والقرن الإفريقي، الأمر الذي أعاد تشكيل المنطقة بصورة أقل ملاءمة للمصالح المصرية، وفرض إعادة صياغة المقاربة المصرية للأزمة على أسس مختلفة.
ثالثا: تطور المقاربة المصرية إزاء إثيوبيا
مع تعثر مسار التفاوض حول سد النهضة، اتجهت مصر إلى تبني مسارات متوازية تخدم الهدف ذاته، المتمثل في منع تكريس واقع دائم من الهيمنة الإثيوبية على تدفقات نهر النيل. فإلى جانب المسار القانوني والدبلوماسي، برز مسار أمني يقوم على محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى في محيط إثيوبيا، بالتوازي مع مسار داخلي يركز على تقليل حساسية الدولة المصرية لملف المياه عبر تطوير منظومة إدارة الموارد، وتحديث قواعد تشغيل السد العالي.
هذا التحول في الموقف المصري لاحظه “معهد الشؤون الخارجية” (IFA)، التابع لوزارة الخارجية الإثيوبية، حيث قال في تقرير له إن “هناك تحولا استراتيجيا في موقف مصر من الحوار التقني إلى إعمال الضغط السياسي”، وهذا يؤكد “اتساع الفجوة الاستراتيجية حول مستقبل النيل”، بحسب التقرير.[27]
- العمل على تطويق إثيوبيا
يمكن القول إن أزمة سد النهضة عرَض لأزمة أعمق تمثلت في التراجع التدريجي للدور المصري في إفريقيا. هذا التراجع تراكم عبر عقود، بدءا من مرحلة السادات التي شهدت تحولا ضخما في السياسة الخارجية ولإدراك مصر لدورها الإقليمي والعالمي بشكل عام، مرورا بعهد حسني مبارك الذي شهد انكفاء عن القارة، وصولا إلى المرحلة الحالية. في هذا السياق، وجدت إثيوبيا مساحة واسعة للتحرك، مستفيدة من غياب التأثير المصري الفعّال في محيطها الإفريقي، لتنفيذ مشروع السد، ثم للسعي للوصول إلى البحر الأحمر، عبر ترتيبات مع “أرض الصومال”.
من هذا المنطلق، يصبح من الصعب تصور حل جزئي لأزمة سد النهضة يقتصر على التوصل إلى اتفاق تقني أو قانوني يكون مرضيا لمصر، في ظل استمرار حالة التراجع هذه في مكانة مصر في القارة. فحتى لو جرى التوصل إلى تفاهمات مرحلية، ستظل معرّضة للانهيار ما دامت مصر لا تمتلك أدوات تأثير حقيقية في البيئة الإقليمية المحيطة بإثيوبيا. ولهذا، يبدو أن إعادة بناء الدور المصري في القارة شرطا مسبقا لأي تسوية لها قدر من الاستقرار.
ولذا، تحركت مصر مؤخرا لاستعادة النفوذ تدريجيا في إفريقيا، مع إعطاء أولوية للدول المحيطة بإثيوبيا، ولا سيما تلك التي تربطها بها علاقات متوترة. فتعزيز الحضور السياسي والأمني مع هذه الدول يخدم هدف تطويق التحركات الإثيوبية، وكذلك يوفر لمصر أيضا رصيدا استراتيجيا يمكن البناء عليه مستقبلا، في حال تصاعد الأزمة إلى مستويات أعلى.
أضف إلى ذلك أنه يمنح قدرا أكبر من المصداقية لأي تهديدات مصرية باستخدام الأداة العسكرية ضد إثيوبيا، ذلك أن أي تهديد يجب أن يتضمن في طياته قدرة على تنفيذه، حتى يجعل الطرف الآخر يأخذه على محمل الجدية. والتحركات المصرية الأخيرة ربما تعزز هذا المنحى.
في هذا الإطار، جاء التقارب بين مصر والصومال، حيث اتخذت الدولتان خطوات عديدة نحو تعزيز التعاون في مختلف المجالات، وذلك نتاجا للقاءات عديدة، منها ثلاث زيارات للرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، إلى القاهرة خلال عام واحد.
وفي يناير/كانون الثاني 2025، وقع السيسي وشيخ محمود إعلانا سياسيا مشتركا يقضي برفع مستوى العلاقات بين البلدين إلى مستوى “الشراكة الاستراتيجية الشاملة”.[28] ويغطي الاتفاق مجالات متعددة تشمل السياسية والتعاون العسكري والأمني والتعليم والثقافة وبناء القدرات والتعاون القضائي والاقتصادي إلى جانب التعاون في مجال إدارة الانتخابات.[29] كما دشنت مصر في يوليو/تموز 2025، خط طيران مباشر بين القاهرة ومقديشو، بهدف تعزيز العلاقات المصرية مع دول القرن الإفريقي عموما.
وعلى المستوى العسكري، وقَّعت مصر والصومال، في أغسطس/آب 2024، بروتوكول تعاون عسكري، وقد استعرضنا هذا الاتفاق بشكل أكثر تفصيلا في ملف “الاتفاقيات العسكرية مع الصومال.. دوافع الأطراف والانعكاسات على العلاقات المصرية–التركية“.
واتفق الطرفان على مشاركة مصر في البعثة الإفريقية لحفظ السلام خلال الفترة من 2025 إلى 2029. واستضافت مصر سلسلة من اللقاءات الرسمية التي شهدت حضورا مباشرا لكبار القيادات العسكرية من الجانبين.
ففي يناير/كانون الثاني 2025، زار وزير الدفاع الصومالي، عبد القادر محمد نور، القاهرة، حيث عقد اجتماعا موسعا مع وزير الدفاع المصري، عبد المجيد صقر. وقد تناول اللقاء، وفق البيانات الرسمية، مناقشة سبل تعزيز التعاون العسكري بين القوات المسلحة للبلدين، وبحث تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية وانعكاساتها على الأمن والاستقرار داخل القارة الإفريقية. وخلال الاجتماع، أكد صقر استعداد القوات المسلحة المصرية لتعزيز التعاون العسكري، بما في ذلك المشاركة في بعثة الاتحاد الإفريقي الجديدة لدعم الاستقرار في الصومال (AUSSOM)، مشيرا إلى أن القوات المصرية المشاركة في البعثة ستصل إلى الصومال خلال الفترة المقبلة.
وفي السياق ذاته، شهدت القاهرة لقاءات عسكرية فنية شارك فيها رئيس الأركان المصري، أحمد خليفة، حيث جرى بحث آليات تفعيل بروتوكولات التعاون الموقعة، وتوسيع مجالات التدريب وبناء القدرات للجيش والشرطة الصوماليين، خاصة في مجالات مكافحة الإرهاب وتأمين المنشآت الحيوية. ووفق بيانات المتحدث العسكري المصري، ركزت هذه الاجتماعات على دعم جهود الأمن والاستقرار داخل الصومال، باعتبارها جزءا من أمن القارة الإفريقية ككل. من جانبه، أشاد وزير الدفاع الصومالي بالدور المصري، مؤكدا وجود توافق في الرؤى بين البلدين تجاه التحديات الإقليمية، وفي مقدمتها “عدم الاستقرار في القرن الإفريقي”.
وقد نتج عن هذه الاجتماعات عدة مخرجات فيما هو معلن، ففي 29 أغسطس/آب 2024، أعلن سفير الصومال لدى القاهرة، علي عبدي أواري، عن وصول وفود ومعدات عسكرية مصرية إلى العاصمة الصومالية مقديشو.
وخلال يناير/كانون الثاني 2026، كشفت وكالة “بلومبيرغ” الأمريكية أن السعودية ومصر بصدد عقد اتفاقية لتشكيل تحالف عسكري جديد مع الصومال. وذكرت الوكالة أن الرئيس الصومالي سيتوجه إلى السعودية قريبا لإتمام الاتفاقية التي تهدف إلى تعزيز التعاون الإستراتيجي في مجال أمن البحر الأحمر، فضلا عن تعميق التعاون العسكري.
واللافت أن هذه الخطوة جاءت بعد إلغاء الصومال جميع الاتفاقيات المبرمة مع الإمارات، بما فيها اتفاقيات أمنية ودفاعية واقتصادية، ردا على اتخاذ أبو ظبي خطوات “تقوض سيادة البلاد ووحدتها واستقلالها”، في إشارة إلى الدعم الإماراتي لـ “أرض الصومال”، التي اعترفت بها إسرائيل مؤخرا. وهذا يدلل على أن هناك ديناميات جديدة تتشكل في هذه المنطقة المحورية بالنسبة للأمن القومي المصري.
كذلك يمكن ملاحظة تقارب مصري مع إريتريا، الدولة المحاذية لإثيوبيا من جهة الشمال، فقد شهدت العلاقات تكثيفا لافتا في اللقاءات الرئاسية منذ يوليو/تموز 2023، ركزت بصورة أساسية على قضايا الأمن الإقليمي في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وتداعيات الأزمات في السودان والصومال.
وخلال لقاءات متتابعة بين السيسي والرئيس الإريتري أسياس أفورقي، كان آخرها في أسمرا في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2024، برز توافق واضح حول عدد من الرسائل السياسية، منها ضرورة تنسيق الجهود الإقليمية لمواجهة محاولات زعزعة الاستقرار في القرن الإفريقي. كما أولت هذه اللقاءات اهتماما خاصا بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب باعتبارهما مجالا حيويا مشتركا، وبأهمية دعم استقرار الصومال ووحدة أراضيه.
ولا ينفصل التعاون المصري-الإريتري عن التعاون المصري-الصومالي، حيث استضافت العاصمة الإريترية أسمرة، في أكتوبر/تشرين الأول 2024، قمة ثلاثية لرؤساء مصر والصومال وإريتريا،[30] وناقشت “جهود ترسيخ الاستقرار والأمن في القرن الإفريقي والبحر الأحمر”. واتفقت الثلاث دول على إنشاء لجنة ثلاثية للتعاون الاستراتيجي.
كذلك، يمكن ملاحظة انخراط سعودي مع إريتريا يتوافق مع السياسات المصرية في المنطقة، حيث إن المملكة بصدد استثمار مليارات الدولارات في ميناء عصب الإريتري.[31] وبحسب الباحث السعودي، هشام الغنّام، فإن هذا الانخراط يأتي في ظل اشتداد التنافس مع الإمارات على النفوذ الجيوسياسي والهيمنة الإقليمية.[32]
ورغم أن إثيوبيا قد تستفيد اقتصاديا من هذه الاستثمارات باعتبار أنها تعتمد على الموانئ الإريترية، إلا أن التواجد السعودي المتزايد في إريتريا قد يدفعها إلى إعادة النظر في موقفها من السياسة الخارجية. فبينما تستفيد إثيوبيا من تحسين البنية التحتية، فإن اعتمادها الاستراتيجي على ميناء تسيطر عليه قوة خارجية يُضيف مخاطر جيوسياسية جديدة.
وقد تُضطر إثيوبيا إلى إعادة تقييم تحالفاتها، وربما تسعى إلى تنويع طرقها التجارية أو تعزيز علاقاتها مع القوى الإقليمية الأخرى للتخفيف من مخاطر الاعتماد المفرط على البنية التحتية التي تسيطر عليها السعودية، خاصة وأن هناك تقارير تشير إلى احتمالية مشاركة مصر في هذه الخطط السعودية.[33]
وبجانب الصومال وإريتريا، تعمل مصر أيضا مع جيبوتي، التي تحد إثيوبيا من الشرق مع الصومال. فقد أجرى السيسي زيارة لها في 27 مايو/أيار 2021، هي الأولى من نوعها لرئيس مصري منذ استقلالها عام 1977، وتمحور الحديث مع الرئيس الجيبوتي، إسماعيل عمر غيله، حول البحر الأحمر وسد النهضة.
ويمكن رصد حضور تعاون عسكري وأمني بين مصر وجيبوتي، ففي هذا الإطار، تقدم مصر دعما فنيا منظما للكوادر العسكرية الجيبوتية من خلال إتاحة الدورات العسكرية داخل منشآتها ومعاهدها المتخصصة، في عدد من التخصصات، إلى جانب تعاون مشترك في مجالات مكافحة الإرهاب. ويشمل هذا التعاون أيضا دعم الجهود الرامية إلى حماية البحر الأحمر من التهديدات الإرهابية وعمليات القرصنة الدولية.
وفي أبريل/نيسان 2025، زار وفد عسكري جيبوتيّ رفيع المستوى برئاسة رئيس أركان الدفاع للقوات المسلحة الجيبوتية، طاهر علي محمد، القاهرة. وسبق ذلك، في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، قيام وزير الداخلية الجيبوتي، سعيد نوح حسن، بزيارة رسمية إلى القاهرة، التقى خلالها نظيره المصري محمود توفيق. وأكد الوزير الجيبوتي، خلال اللقاء، حرص بلاده على التنسيق مع مصر في الملفات الأمنية المختلفة.
هذا التعاون الذي ذكرنا طرفا منه هنا، يثير قلق الجانب الإثيوبي، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أهمية جيبوتي، التي تمثل الممر البحري الذي تمر منه 95 بالمئة من الحركة التجارية عبر البحر الأحمر لإثيوبيا.[34]
وأولت مصر أيضا اهتماما متزايدا بدول أخرى من حوض النيل، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2020، ناقش الجيش المصري بحث لهيئة العمليات بعنوان “الاستراتيجية المقترحة لتفعيل الدور المصري مع دول حوض النيل في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية”. وأوضح المتحدث باسم الجيش المصري، أن وزير الدفاع ورئيس الأركان وقادة الأفرع الرئيسية وعدد من كبار قادة الجيش والخبراء الاستراتيجيين شهدوا مناقشة البحث، الذي أعده نخبة من الخبراء الاستراتيجيين والباحثين في مجال الأمن القومي من مختلف أفرع وأسلحة القوات المسلحة.[35]
وعلى هذا، وقعت مصر اتفاقية تعاون دفاعي مع كينيا، وذلك ضمن جولة إفريقية لرئيس الأركان، في مايو/أيار 2021، شملت أيضا رواندا، حيث عُقد الاجتماع الأول للجنة العسكرية المصرية–الرواندية المشتركة مع رئيس الأركان الرواندي. وسبق ذلك توقيع اتفاقيات أمنية وعسكرية مع دول أخرى من حوض النيل؛ إذ وقعت مصر مع أوغندا في 8 أبريل/نيسان 2021 اتفاقية لتبادل المعلومات العسكرية، كما وقعت في الشهر نفسه اتفاقية تعاون عسكري مع بوروندي.
وبالتوازي، عززت مصر حضورها التنموي عبر مشروعات بنية تحتية وطاقة، من بينها مشاركة الشركات المصرية في بناء سد “جوليوس نيريري” لتوليد الطاقة الكهرومائية في تنزانيا، إضافة إلى تنفيذ مشروعات في مجال الطاقة البديلة في دول منها أوغندا وإريتريا وجنوب السودان.
هذه التحركات المصرية في القرن الإفريقي، ولا سيما توثيق التعاون مع جيبوتي وإريتريا والصومال، أثارت رد فعل إثيوبي، تمثل في ارتفاع حدة الخطاب، هذا فضلا عن الاستمرار في خططها سواء بخصوص السد أو البحر الأحمر.
وصرحت وزارة الخارجية الإثيوبية بأن “مصر تتشبث بالحقبة الاستعمارية وتفشل في مواكبة حقائق القرن 21″، مضيفة أن تصريحات المسؤولين المصريين تتضمن “رفضا قاطعا للحوار وتلويحا بتهديدات مباشرة وغير مباشرة”.[36]
كذلك، نشر سفير إثيوبيا في مقديشو، سليمان ديديفو (Suleiman Dedefo)، مقالا، في مجلة “ذا أفريكا ريبورت”، في ديسمبر/كانون الأول 2025، هاجم فيه مصر. ووصف المسؤول الإثيوبي التحركات المصرية بأنها “طموحات إقليمية خبيثة متسترة وراء ستار “الدور التاريخي” والحفاظ على “التوازن الاستراتيجي”، معتبرا أن مصر تتبع استراتيجيات جديدة لتطويق بلاده.[37]
وفي مناسبة أخرى، عبّر “ديديفو” عن استياء بلاده من وجود قوات مصرية في الصومال، مشيرا إلى أن إثيوبيا “ليست خائفة أو تشعر بالتهديد” جراء وجود قوات مصرية في الصومال المجاور، ومؤكدا أن بلاده قادرة على “الدفاع عن نفسها”. كما زعم أن وجود القوات المصرية في الصومال “لن يقدم أي دعم لتحقيق الاستقرار هناك”.[38]
وعلى هذا، يمكن القول إن أحد الأركان الرئيسية في الاستراتيجية المصرية هي تعزيز الدور المصري في إفريقيا، ويشمل ذلك إعادة بناء جسور الثقة مع هذه الدول عبر التعاون، والاستثمار، والمشروعات المشتركة، في محاولة لتقليص هامش الدعم السياسي الذي تحظى به إثيوبيا داخل القارة الإفريقية. كما يشمل هذا التوجه العمل على تطويق إثيوبيا سياسيا وأمنيا من خلال توسيع شبكة العلاقات مع دول جوارها المباشر ودول حوض النيل، وبناء ترتيبات تعاون عسكري وأمني معها، بما يعزز قدرة القاهرة في الضغط على أديس أبابا.
- تعزيز السردية المصرية قانونيا ودبلوماسيا
بالتوازي مع تحركاتها الإقليمية، عملت مصر على تعزيز سرديتها القانونية والدبلوماسية بشأن أزمة سد النهضة، باعتبار ذلك أداة أساسية تمهد لأي تصعيد محتمل في المستقبل. فرغم عدم وضع مصر للخيار العسكري في صدارة خياراتها الراهنة،[39] إلا أن الاحتفاظ به يتطلب بناء بيئة دولية أكثر تفهما لموقفها، وسردية قانونية متماسكة تسبق أي تحرك خشن، إن وُجدت النية لذلك.
وفي هذا السياق، كثفت مصر جهودها لنشر سرديتها حول الأزمة، والضغط الدولي على إثيوبيا، عقب إعلان افتتاح السد وبدء تشغيله دون اتفاق قانوني ملزم. وقد وجّهت خطابا إلى مجلس الأمن الدولي، اعتبرت فيه أن تشغيل السد يمثل إجراء أحاديا مخالفا للقانون الدولي، مؤكدة رفضها الاعتداد بأي آثار قانونية تترتب على هذه الخطوة، ومشددة على أنها لن تسمح بفرض واقع دائم من الهيمنة الإثيوبية على الموارد المائية المشتركة. وأكد الخطاب المصري أن السد يظل فاقدا لأي غطاء قانوني أو شرعية دولية، وأن السلوك الإثيوبي يشكل خروقا متراكمة لقواعد القانون الدولي للأنهار.[40]
وبالتوازي، طرحت مصر خيار اللجوء إلى القضاء أو التحكيم الدوليين، حيث أعلن وزير الخارجية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، استعداد مصر للاحتكام إلى هذه الآليات حال توافر نية حقيقية لدى إثيوبيا.[41] كما أكد أن أي ضرر جسيم قد يلحق بمصر نتيجة تشغيل السد سيقابل بإجراءات قانونية دولية، مع احتفاظ القاهرة بحقها في اتخاذ ما يلزم لحماية أمنها القومي ومقدراتها الحيوية.[42]
علاوة على هذا، بات ملف سد النهضة حاضرا بشكل دائم في اتصالات مصر الثنائية ومتعددة الأطراف، في محاولة لتكريس سردية تقوم على أن مصر بذلت جهدها في المسارات السلمية، وأن تعنت الجانب الإثيوبي هو العامل الرئيسي في تعثر التوصل إلى اتفاق، وذلك في مقابل السردية الإثيوبية التي تقوم أنها تحاول التصدي للهيمنة المصرية على النيل.[43]
وفي هذا الإطار، يرى النظام المصري أن البند الثالث من اتفاقية إعلان المبادئ الموقعة بين مصر والسودان وإثيوبيا عام 2015، والذي ينص على “عدم التسبب في ضرر ذي شأن” عند استغلال الموارد المائية المشتركة، شهد تراجعا في الزخم الدولي حوله، في ظل نجاح إثيوبيا بتقديم السد باعتباره مشروعا تنمويا داخليا، ولذلك بات الخطاب المصري يركز على هذه الرسالة تحديدا.[44]
ويهدف هذا التراكم القانوني والدبلوماسي إلى نزع الشرعية عن السلوك الإثيوبي، ووضع إطار قانوني ودبلوماسي يسمح بالانتقال إلى خيارات أخرى مستقبلا.
- اتخاذ إجراءات فنية لتوسيع هامش الحركة
إذا ما قلنا إن أزمة سد النهضة ترتبط بسياق أوسع يتصل بتراجع في مكانة مصر داخل القارة الإفريقية، وهو مسار يحتاج وقتا وجهدا لإعادة التوازن فيه، فمن الطبيعي العمل على تخفيف الأعباء الداخلية المترتبة على أزمة السد، بما يسمح بتوسيع هامش الحركة، وإدارة الأزمة على مدى أطول.
ولذلك، يُلاحظ أن النظام المصري اتخذ حزمة من السياسات والإجراءات استهدفت تقليل الاعتماد الحرِج على التدفقات المائية من نهر النيل، وتعزيز القدرة الذاتية على التكيف مع سيناريوهات نقص المياه.
وبحسب مراقبين، فقد وضعت الحكومة استراتيجية قومية شاملة لإدارة الموارد المائية حتى عام 2050، تقوم على أربعة محاور رئيسية.[45] أولها تنمية الموارد المائية المتاحة، عبر التوسع في مشروعات تحلية مياه البحر لتأمين الاحتياجات المتزايدة، خصوصا في المدن الساحلية، إلى جانب تعزيز إعادة استخدام المياه المعالجة معالجة ثلاثية من خلال مشروعات قومية كبرى، توفر مليارات الأمتار المكعبة سنويا للقطاع الزراعي. كما يشمل هذا المحور استغلال حصاد مياه الأمطار والسيول في المناطق الصحراوية.
أما المحور الثاني فيتعلق بـترشيد الاستخدام وتحسين الكفاءة، من خلال التحول التدريجي من نظم الري بالغمر إلى نظم الري الحديث في الأراضي الجديدة، وتنفيذ برامج لتبطين الترع وتقليل الفاقد المائي، إلى جانب نشر ثقافة ترشيد الاستهلاك في المنازل والمصانع.
ويركز المحور الثالث على تحسين نوعية المياه وحماية الموارد القائمة، عبر مشروعات قومية لمعالجة مياه الصرف الصناعي والزراعي، ومراقبة نوعية المياه في الترع والمصارف، لضمان صلاحيتها للزراعة والاستخدام الآدمي. فيما يتمثل المحور الرابع في تحديث القوانين المنظمة لاستخدام المياه، والحد من الزراعات الشرهة للمياه، ودعم البحوث والتكنولوجيا الحديثة في إدارة الموارد المائية والزراعة الذكية.
ولذلك، كثفت مصر استثماراتها في مشروعات تحلية مياه البحر، حيث تستهدف رفع إنتاج المياه المحلاة إلى ما بين 9 و10 ملايين متر مكعب يوميا خلال السنوات المقبلة، مقارنة بنحو 1.4 مليون متر مكعب يوميا حاليا، مع السعي لتوطين صناعة تحلية المياه. وتشمل هذه الجهود إنشاء محطات جديدة، من بينها محطة العين السخنة التي افتتحت عام 2019 بطاقة إنتاجية تبلغ 136 ألف متر مكعب يوميا، مخصصة لخدمة المنطقة الاستثمارية والصناعية شمال غربي خليج السويس.[46]
إلى جانب التحلية، تعتمد مصر على إعادة استخدام نحو 21 مليار متر مكعب من المياه سنويا، بعد معالجتها، خاصة مياه الصرف الزراعي، التي كانت تهدر سابقا بالكامل. وأكد وزير الزراعة، علاء فاروق، أن المياه المعالجة باتت تشكل ركيزة أساسية في دعم القطاع الزراعي.[47]
كما يعتمد النظام على استيراد محاصيل زراعية بما يعادل نحو 33.5 مليار متر مكعب سنويا فيما يسمى بـ “المياه الافتراضية”، في محاولة لتخفيف الضغط على الموارد المحلية.[48] وفي موازاة ذلك، نفذت مصر مشروعات لحصاد مياه الأمطار في مناطق مثل مطروح وسيناء، عبر إنشاء خزانات “النشو” القادرة على تخزين المياه لمدة عام كامل، واستخدامها في زراعة الوديان.[49]
وبالتوازي مع هذه الاستراتيجية، أولت مصر اهتماما خاصا بتطوير منظومة السد العالي وخزان أسوان، باعتبارهما خط الدفاع الأول في مواجهة أي صدمات ناتجة عن التشغيل الأحادي لسد النهضة. وأكد وزير الموارد المائية والري، هاني سويلم، استمرار أعمال تطوير منظومة السد العالي ورفع كفاءتها التشغيلية، ضمن ما يعرف بمنظومة المياه المصرية “الجيل الثاني 2.0”. وشملت هذه الجهود تحديث منظومات الرصد والمتابعة باستخدام الحلول الرقمية الحديثة، وتعزيز الجاهزية الفنية للسد العالي لمواجهة مختلف الظروف الهيدرولوجية، بما يضمن استدامة أدائه وقدرته على استيعاب التغيرات المفاجئة في تدفقات المياه، وفق سويلم.[50]
وفي هذا السياق، يشير مراقبون إلى أن مصر لم تتأثر فعليا بعمليات الملء الخمس التي نفذتها إثيوبيا، نظرا لكونها جرت خلال فترات الفيضان العالي، إضافة إلى وجود مخزون مطمئن في بحيرة السد العالي. ويوضح أن مصر اضطرت إلى فتح مفيض توشكي خمس مرات على الأقل خلال السنوات الخمس الماضية، نتيجة ارتفاع منسوب المياه، وهو ما يعكس الدور المهم للسد العالي في امتصاص الصدمات.
وإجمالا لهذا المحور، يمكن القول إن المقاربة المصرية في التعامل مع أزمة سد النهضة تقوم على العمل عبر خطوط متوازية، تشمل السعي إلى تطويق إثيوبيا من خلال تعميق الحضور المصري في إفريقيا وإعادة بناء شبكات النفوذ والتأثير داخل القارة، وتثبيت سردية قانونية ودبلوماسية تُحمّل أديس أبابا مسؤولية التعثر، وتُبرز التزام مصر بقواعد القانون الدولي، إلى جانب محاولة تخفيف حدة الأزمة داخليا عبر حزمة من السياسات والإجراءات الهادفة إلى تقليص الاعتماد الحرِج على مياه النيل.
ولا يستهدف هذا العرض تقييم جدوى هذه الخيارات أو الحكم على أداء النظام المصري في إدارتها، لأن هذا موضوعا مستقلا بذاته، خاصة أن بعض هذه المسارات تعرض لانتقادات،[51] كما أن صدور إشارات متباينة أحيانا عن رأس النظام قد أضعف أو قيّد الأثر المتوقع لبعض التحركات. غير أننا نهدف هنا بالتحديد إلى تلمّس الإطار العام الذي تتحرك فيه السياسة المصرية حاليا في مواجهة هذه الأزمة الممتدة.
رابعا: وساطة أمريكية منتظرة
في تطور أخير، ربما جاء نتيجة للتحركات المصرية الأخيرة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 21 يناير/كانون الثاني 2026، خلال لقاء جمعه بالسيسي على هامش منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في سويسرا، عزمه السعي إلى جمع قادة مصر وإثيوبيا، في محاولة للتوصل إلى اتفاق بشأن سد النهضة. واعتبر ترامب أن الملف “تحول إلى قضية خطيرة جدا”، مشيرا إلى أن السد، الذي وصفه بأنه من أكبر السدود في العالم، أدى إلى تراجع حصول مصر على المياه التي كانت تعتمد عليها تاريخيا، ومؤكدا أنه سيحاول إعادة تحريك مسار التفاوض بين الطرفين.[52]
وكان البيت الأبيض قد نشر، قبل ذلك بأيام، في 16 يناير/كانون الثاني 2026، رسالة وجّهها ترامب إلى السيسي، يبدي فيها استعداده “لاستئناف جهود الوساطة الأمريكية بين مصر وإثيوبيا لحل مسألة تقاسم مياه النيل بشكل مسؤول ونهائي”، معتبرا أنه لا ينبغي لأي دولة “أن تسيطر بشكل منفرد على موارد النيل الثمينة، وأن تلحق الضرر بجيرانها”.[53]
في المقابل، ثمّن السيسي اهتمام ترامب، مؤكدا حرص مصر على التعاون الجاد والبنّاء مع دول حوض النيل، استنادا إلى مبادئ القانون الدولي، وبما يحقق المصالح المشتركة دون إلحاق الضرر بأي طرف.[54]
وقد سبق التفاوض بين مصر وإثيوبيا والسودان تحت إشراف وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الدولي وصولا لاتفاق واشنطن عام 2020، غير أن إثيوبيا رفضت التوقيع؛ لأنها شعرت أن الرئيس الأمريكي كان ينحاز إلى مصر.[55] وأعلن وزير الخارجية الإثيوبي آنذاك جيدو أندارجاشيو اعتراض بلاده على ما زعم أنه “انحياز أمريكي وتداخل في الصيغ وليس مجرد وساطة”.[56]
وقد أشارت بعض التقارير أواخر عام 2025، إلى أن تصعيد اللهجة المصرية تجاه إثيوبيا خلال الفترة الماضية جاء في إطار محاولة اجتذاب دعم أمريكي لصالحها، وتوفير “مسوغ سياسي وقانوني واضح” يمكن للإدارة الأمريكية البناء عليه للضغط على أديس أبابا، ودفعها إلى القبول بتوقيع اتفاق قانوني ملزم.[57]
ولا يستبعد، من حيث المبدأ، أن يكون النظام المصري قد راهن بالفعل على هذا المسار؛ إذ إن القاهرة تمتلك أوراقا تحتاجها الولايات المتحدة في المرحلة الراهنة، خاصة في ظل تداعيات حرب غزة وتعقيداتها الإقليمية، فضلا عن طبيعة العلاقة السياسية الجيدة نسبيا مؤخرا بين السيسي وترامب. وهي عوامل قد تشجع على اعتقاد مصر بإمكانية توظيف الحضور الأمريكي للضغط على إثيوبيا مرة أخرى.[58]
غير أن هذا الرهان، رغم وجاهته، يواجه عددا من الإشكاليات التي تثير تساؤلات حول جدوى عرض ترامب للتوسط. منها أن الرسالة لم توجّه إلى السيسي أو قادة السودان وإثيوبيا فحسب، بل أرسلت نسخا منها إلى قادة السعودية والإمارات، وهو ما قد يشي بأن المقاربة التي يفكر فيها ترامب تندرج ضمن تصور لصفقة إقليمية.[59]
وفي هذا السياق، يبرز احتمال أن تكون إحدى الأفكار المتداولة هي الدفع باتجاه قبول مصري بصيغة ما لوصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر، مقابل التوصل إلى تسوية تفاوضية بشأن إمدادات مياه النيل. ولا يبتعد هذا التصور عن بعض الطروحات التي ظهرت في دوائر التفكير الأمريكية، إذ أورد “معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى”، وهو مركز بحثي محسوب على اللوبي الإسرائيلي في واشنطن، مقترحا، ضمن مقترحات أخرى، يتضمن منح إثيوبيا منفذا بحريا، مقابل ترتيبات تتعلق بمياه النيل.[60]
لكن هذا التصور يطرح إشكالية جوهرية من منظور المصالح المصرية؛ إذ ترفض مصر تمكين إثيوبيا من الوصول إلى البحر الأحمر، في ظل ما تحمله النخبة الحاكمة في أديس أبابا من تصورات عدائية تجاه مصر. وتعزز هذه المخاوف طبيعة الخطاب الإثيوبي الرسمي وشبه الرسمي تجاه مصر خلال السنوات الأخيرة؛ حيث برزت نزعة عدائية واضحة في ملف نشره معهد الشؤون الخارجية (IFA)، التابع لوزارة الخارجية الإثيوبية، بعنوان: الاستراتيجية الرئيسية للجسمين المائيين (حوض النيل والبحر الأحمر). وصُوِّرت مصر في هذا الملف باعتبارها الخصم التاريخي الذي استغل فترات الضعف الإثيوبي للتحكم في مياه النيل، مع التأكيد على أن هذه المرحلة قد انتهت، وأن إثيوبيا باتت قادرة على فرض وقائع جديدة.[61]
ويكتسب هذا الخطاب دلالة إضافية في ضوء الروابط التي تجمع معهد الشؤون الخارجية بأطراف إقليمية فاعلة، من بينها دولة الاحتلال الإسرائيلي. ففي 2 أبريل/نيسان 2024، استقبل المدير التنفيذي للمعهد، جعفر بدرو (Jafar Bedru) كلا من مديرة شؤون شرق إفريقيا في وزارة الخارجية الإسرائيلية، أميت جيل باياز (Amit Gil Bayaz)، والقائم بأعمال السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، تيمار بار لافي (Timer Bar Lavi). وبحسب ما أورده المعهد، فقد جاء اللقاء في إطار بحث المصالح المشتركة بين البلدين وترسيخ التفاهم المتبادل،[62] وهو ما يعزز مؤشرات وجود دعم إسرائيلي للسياسات الإثيوبية في هذا السياق.
وبناء عليه، إذا صح أن مثل هذا الطرح، الذي يقايض الوجود الإثيوبي على البحر الأحمر بمياه النيل، يشكل جزءا من مقاربة ترامب لإدارة الأزمة، سيكون من الصعب تصور موافقة مصر على تسوية تُربَط فيها حقوقها المائية بترتيبات إقليمية قد تفضي إلى تهديدات أكثر تعقيدا لأمنها القومي على المدى المتوسط أو الطويل.
وترتبط الإشكالية الثانية بالإشكالية السابقة، ذلك أن الطرح الأمريكي لا يبدو منسجما مع الرؤية المصرية لأسس التفاوض. حيث يبدو أن ما يفكر فيه ترامب هي مفاوضات سريعة وتفاهمات مباشرة لا تقوم بالضرورة على أسس الاتفاقيات السابقة الموجودة بين الأطراف المعنية أو القانون الدولي. وهو ما يتعارض مع الموقف المصري الذي لطالما يؤكد على ضرورة الاستناد إلى القانون الدولي في هذا الملف. وفي هذا السياق، يمكن ملاحظة أن السيسي، في رده على رسالة ترامب، أعلن انفتاحه على عرض الوساطة الأمريكية، غير أن هذا الانفتاح جاء بلغة حذرة نسبيا، حيث كرر ما وصفها بـ “الثوابت التي يتأسس عليها الموقف المصري”، مؤكدا على أهمية مبادئ القانون الدولي.
وتتمثل الإشكالية الثالثة في أن فتح مسار تفاوضي جديد برعاية أمريكية قد لا يكون داعما للتحركات المصرية بقدر ما قد يتحول إلى عامل مقيِّد لها. فقد قرأ بعض المراقبين رسالة ترامب بأنها لا تخلو من تهديد مبطن لمصر؛ إذ تجمع بين الدعوة إلى التهدئة وتفادي أي تصعيد عسكري في القرن الإفريقي قد يضر بالمصالح الأمريكية، وبين التلويح بإمكانية اللجوء إلى إجراءات عقابية صارمة، بما يتضمن إشارة واضحة إلى حدود الحركة التي تُعد مقبولة أمريكيا.[63] فإذا كان ترامب يميل إلى موقف مصر، وله تصريحات تدلل على ذلك خلال فترته الأولى، فإنه في الوقت نفسه قد لا يتقبل نشوب صراع قد يهدد المصالح الأمريكية هناك، كما ذكر في رسالته.
ولهذا، حذّر السفير المصري السابق لدى إسبانيا، أيمن زين الدين، من الانجراف نحو التجاوب غير المحسوب مع عرض ترامب للوساطة. ورأى أن الحكمة قد تقتضي عدم الرفض المباشر، أو حتى إبداء قدر من التفاعل الإيجابي الشكلي، لكن من دون السماح لهذه الوساطة بالإمساك بزمام الملف أو قيادته فعليا. وأشار زين الدين إلى أن أي وساطة من هذا النوع قد تفضي إلى مكاسب محدودة لمصر مقابل كلفة سياسية واستراتيجية مرتفعة، إذا تُرك لها التحكم في المسار.[64] وحتى الآن، لم يصدر رد إثيوبي على رسالة ترامب، غير أنه في حال حدوث ذلك، يُرجَّح أن تتعامل مصر بحذر مع أي مسار تفاوضي محتمل، من دون التخلي عن الأركان الرئيسية للاستراتيجية التي جرى تفصيلها في هذا الملف، والتي تقوم بالأساس على مواصلة زيادة مستويات الضغط على إثيوبيا، سياسيا ودبلوماسيا، مع توسيع هامش الحركة الإقليمية والدولية.
المصادر
[1] محمد عبد الكريم، مصر وأزمة سد النهضة.. تسوية الوقت الضائع، مصر 360، 28 مارس/آذار 2025 – الرابط
[2] إثيوبيا تعلن اكتمال 98 بالمئة من أعمال سد النهضة وتشغيل 6 وحدات توليد، الشرق، 12 أبريل/نيسان 2025 – الرابط
[3] Sudan: Ethiopia to Inaugurate GERD in September, Invites Sudan and Egypt, AllAfrica, July 4, 2025 – Link
[4] أبرز تصريحات وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم بشأن ترويج أديس أبابا لاكتمال بناء السد الإثيوبي، القاهرة الإخبارية، 3 يوليو/تموز 2025 – الرابط
[5] وزير الري الإثيوبي يعلن اكتمال تعبئة سد النهضة ويدعو للتعاون، الجزيرة نت، 30 أغسطس/آب 2025 – الرابط
[6] محمد عبد الكريم، مصر وأزمة سد النهضة.. تسوية الوقت الضائع، مصر 360، 28 مارس/آذار 2025 – الرابط
[7] حسين القباني، مصر: قدمنا خطابا لمجلس الأمن بشأن تشغيل إثيوبيا سدها المخالف، وكالة الأناضول، 9 سبتمبر/أيلول 2025 – الرابط
[8] آبي أحمد: نعتزم إقامة مشاريع كـ«سد النهضة» خلال سنوات، اندبندنت عربية، 2 سبتمبر/أيلول 2025 – الرابط
[9] تصرفات أحادية متهورة.. بيان عاجل من الري بشأن فيضان النيل والإدارة الأحادية لسد النهضة، القاهرة 24، 3 أكتوبر/تشرين الأول 2025 – الرابط
[10] إثيوبيا ترفض اتهامات مصر وتؤكد: لا علاقة لنا بفيضانات السودان، الجزيرة نت، 4 أكتوبر/تشرين الأول 2025 – الرابط
[11] بالأرقام.. تأثير سد النهضة على مصر و9 نقاط تنشرها الدولة وسط ضجة “استمرار التصرفات الأحادية وغير المنضبطة”، سي إن إن عربي، 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 – الرابط
[12] إثيوبيا تتهم مصر بزعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي وتطالبها بالتخلي عن “الاستراتيجية البالية التي لم تعد تُخيف إثيوبيا قط”، بي بي سي عربي، 3 ديسمبر/كانون الأول 2025 – الرابط
[13] وزير الخارجية يحذر: بناء أي سدود جديدة على النيل سيقابل برد مصري واضح (فيديو)، مصراوي، 29 ديسمبر/كانون الأول 2025 – الرابط
[14] عبد العاطي: مصر ستتخذ كافة الإجراءات لحماية الأمن المائي، سكاي نيوز عربية، 2 ديسمبر/كانون الأول 2025 – الرابط
[15] مصر تلوح بعمل عسكري ضد سد النهضة: «المفاوضات انتهت»، آر تي الروسية، 14 ديسمبر/كانون الأول 2025 – الرابط
[16] Sadik Kedir ABDU, TIMELINE – How Ethiopia’s Grand Renaissance Dam project unfolded, Anadolu Agency, September 9, 2025 – Link
[17] Mahmoud Farouk, “The Renaissance Dam Negotiations: An Egyptian View,” The Washington Institute, November 12, 2019 – Link.
[18] Farouk Chothia and Yemane Nagish, “Ethiopia outfoxes Egypt over the Nile’s waters with its mighty dam,” BBC News, September 7, 2025 – Link.
[19] Megan Williams, “Ethiopia’s dam of dreams, and Egypt’s existential fear,” CBC News, September 9, 2025 – Link
[20] نهى رجب، وزير الخارجية يوضح موقف مصر من أزمة سد النهضة وسيناريوهات الرد بعد توقف المفاوضات مع إثيوبيا، المصري اليوم، 19 ديسمبر/كانون الأول 2025 – الرابط
[21] Dawit Yohannes, Meressa K. Dessu, and Roba D. Sharamo, “Why has the AU been silent on the Ethiopian dam dispute,” ISS Today, Institute for Security Studies, February 19, 2020 – Link
[22] Hamdy A. Hassan, “Egypt’s Choices on the Grand Ethiopian Renaissance Dam,” E-International Relations, October 19, 2025 – Link
[23] Alessia Melcangi, “The Nile at a crossroads: Navigating the GERD dispute as Egypt’s floodwaters rise,” Atlantic Council, November 10, 2025 – Link.
[24] Amanuel Dessalegn Gedebo, “Egypt’s Expanding Role in the Horn of Africa,” Clingendael — Netherlands Institute of International Relations, October 10, 2025 – Link.
[25] عفاف ممدوح، المصالح المائية المصرية وسبل مواجهة أزمة سد النهضة الإثيوبي، المركز الديمقراطي العربي، 21 أغسطس/آب 2023 – الرابط
[26] “والله والله لن نقوم بأي ضرر بمياه مصر”.. السيسي لرئيس وزراء إثيوبيا وهو يضحك: ردد القسم تاني (فيديو)، عربي بوست، 10 يونيو 2018 – الرابط
[27] Getahun Tsegaye, Why Ethiopia Won’t Back Down on GERD — and Why Egypt’s Zero-Sum Narrative Must Change, Institute of Foreign Affairs (IFA), December 8, 2025 – Link.
[28] أحمد إمبابي، مصر والصومال… «شراكة استراتيجية» ولا رغبة في تهديد أحد، الشرق الأوسط، 23 يناير/كانون الثاني 2025 – الرابط
[29] نور جيدي، شراكة إستراتيجية بين مصر والصومال.. رسائل وتأطير للعلاقات، الجزيرة نت، 25 يناير/كانون الثاني 2025 – الرابط
[30] إريتريا تجمع حلفاء إقليميين ضد إثيوبيا، مركز مسارات، 13 أكتوبر/تشرين الأول 2024 – الرابط
[31] “Saudi Arabia’s Geostrategic Power Play in the Horn of Africa: Implications for Regional and Global Dynamics,” Horn Review, March 11, 2025 – Link
[32] Hesham Alghannam, “Saudi Arabia in Africa: Sound Economic and Geopolitical Strategy, or Resource Exploitation?,” Carnegie Endowment for International Peace, September 16, 2025 – Link
[33] محمد عبد الكريم أحمد، إريتريا و”صراع البحر الأحمر” مع إثيوبيا: السير على حبل مشدود!، قراءات إفريقية، 20 ديسمبر/كانون الأول 2025 – الرابط
[34] عبد القادر محمد علي، تحركات استراتيجية متسارعة.. هل اقتربت مصر من تطويق إثيوبيا؟، تي آر تي عربي، 2 يونيو/حزيران 2021 – الرابط
[35] وكالة الأناضول، الجيش المصري يناقش “استراتيجية” تفعيل التعاون مع دول حوض النيل، 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 – الرابط
[36] إثيوبيا: مصر تتشبث بالحقبة الاستعمارية وتفشل في مواكبة حقائق القرن 21، الجزيرة نت، 4 ديسمبر/كانون الأول 2025 – الرابط
[37] Suleiman Dedefo, “Horn of Africa: Egypt’s ‘strategic balance’ disguises regional ambitions,” The Africa Report, December 3, 2025 – Link
[38] إثيوبيا تعلق على وجود قوات مصرية في الصومال وتبعث رسالة “تحدي” للقاهرة، آر تي الروسية، 27 أغسطس/آب 2025 – الرابط
[39] Ahmed Morsy and Tsedenya Girmay, “With Ethiopia’s GERD Active, Tensions Mount Along the Nile,” Middle East Council on Global Affairs, September 25, 2025 – Link.
[40] مصر توجه خطاباً لمجلس الأمن إزاء التطورات في حوض النيل الشرقي، الموقع الرسمي لوزارة الخارجية المصرية، 9 سبتمبر/أيلول 2025 – الرابط
[41] عصام فضل، مصر تطرح اللجوء إلى التحكيم الدولي لحل نزاع «سد النهضة» الإثيوبي، الشرق الأوسط، 28 سبتمبر/أيلول 2025 – الرابط
[42] أحمد جمال، تلويح مصري بـ«إجراء قانوني دولي» في مواجهة أضرار محتملة لـ«سد النهضة»، الشرق الأوسط، 25 ديسمبر/كانون الأول 2025 – الرابط
[43] Muktar Toyib Usmen and Dr. Irshad Ahmad, “Hydro-Politics Reimagined: The GERD through Hegemonic Stability Theory,” Institute of Foreign Affairs (IFA), December 19, 2025 – Link
[44] القاهرة ترفع لهجتها ضد إثيوبيا في ملف سد النهضة طلباً لإسناد أميركي، العربي الجديد، 24 ديسمبر/كانون الأول 2025 – الرابط
[45] أمل عباس، أستاذ قانون يكشف الاستراتيجية القومية الشاملة لمواجهة الندرة المائية في مصر، المصري اليوم، 12 أكتوبر/تشرين الأول 2025 – الرابط
[46] أحمد عدلي، مصر تتوسع في مشروعات تحلية مياه البحر لمواجهة أزمة «الشُّح»، الشرق الأوسط، 12 يونيو/حزيران 2025 – الرابط
[47] محمد شعبان، وزير الزراعة: لدينا خطط بديلة لمواجهة تأثيرات سد النهضة.. وهذا سبب صعوبة الري بالتنقيط في الدلتا، الشروق، 5 أكتوبر/تشرين الأول 2025 – الرابط
[48] مصدر سابق
[49] مصدر سابق
[50] وليد عبد الرحمن، مصر تطور منظومة تشغيل «السد العالي» لحماية أمنها المائي، الشرق الأوسط، 9 يناير/كانون الثاني 2026 – الرابط
[51] أشرف عبد الفتاح، مصر تتوسع في تحلية مياه البحر لتعويض العجز.. ما رأي الخبراء؟، الجزيرة مباشر، 10 سبتمبر/أيلول 2025 – الرابط
[52] “FULL MEETING: Trump Meets Egypt’s Sisi at Davos on Gaza Deal, Iran Bombing, Nile Dam Crisis | AC1G,” DRM News, January 21, 2026 – Link
[53] “Trump Revives U.S. Mediation in Nile Water Dispute,” Fanack Water, January 19, 2026 – Link
[54] كيف رد السيسي على خطاب ترامب له بشأن أزمة سد النهضة الإثيوبي؟، سي إن إن عربي، 17 يناير/كانون الثاني 2026 – الرابط
[55] Farouk Chothia and Yemane Nagish, “Ethiopia outfoxes Egypt over the Nile’s waters with its mighty dam,” BBC News, September 7, 2025 – Link.
[56] محمد بصل، سد النهضة في عقل ترامب.. صفقة عابرة أم حلم صهيوني قديم؟، المنصة، 21 يوليو/تموز 2025 – الرابط
[57] القاهرة ترفع لهجتها ضد إثيوبيا في ملف سد النهضة طلباً لإسناد أميركي، العربي الجديد، 24 ديسمبر/كانون الأول 2025 – الرابط
[58] بسام رمضان، طارق فهمى: تدخل ترامب فى أزمة «سد النهضة» ليس مفاجئًا، المصري اليوم، 17 يناير/كانون الثاني 2026 – الرابط
[59] محمد فرحان، ترامب وسد النهضة.. مصر في قلب الحسابات الأمريكية لأزمة النيل، دويتشه فيله الألمانية، 19 يناير/كانون الثاني 2026 – الرابط
[60] Areig Elhag and Ben Fishman, “As the Renaissance Dam Comes Online, the U.S. Mediation Role Needs Clarity,” The Washington Institute, September 17, 2025 – Link
[61] الاستراتيجية الرئيسية للجسمين المائيين (حوض النيل والبحر الأحمر)، صادر عن معهد الشؤون الخارجية (IFA) الإثيوبي، ترجمه من الأمهرية إلى العربية محمد جمال مختار، مايو/أيار 2024
[62] IFA Executive Director and Director of East African Affairs of Ministry of Foreign Affairs of Israel Held a Discussion at the Institute, Institute of Foreign Affairs (IFA), April 2, 2024 – Link
[63] قراءة في رسالة ترامب الموجهة للسيسي وعرض الوساطة بشأن سد النهضة، عربي 21، 19 يناير/كانون الثاني 2026 – الرابط
[64] رسائل ترامب والسيسي… اختبار للدور الأميركي في ملف سد النهضة، العربي الجديد، 18 يناير/كانون الثاني 2026 – الرابط
