المحتويات
مقدمة
المحور الأول: حصيلة الحرب
المحور الثاني: مآلات الحرب على المنطقة
- تضعضع ثقة الخليج بواشنطن
- حزب الله والجبهة اللبنانية
- حدود التحول الإقليمي
المحور الثالث: مآلات الحرب على النظام المصري
- مخاطر وفرص
- تفاعل النظام مع المشهد
خاتمة
مقدمة
في 17 يونيو 2026، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، عن بُعد، مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب التي بدأت في 28 فبراير، وإعادة فتح مضيق هرمز. ونصّت المذكرة على وقف إطلاق نار يشمل لبنان وحلفاء إيران في المنطقة، ومنحت الطرفين مهلة تفاوض مدتها 60 يوما للتوصل إلى اتفاق نهائي بشأن البرنامج النووي الإيراني. غير أن هذا المسار تعثر سريعا، إذ أعادت إيران إغلاق مضيق هرمز بعد ثلاثة أيام من التوقيع، مبررة ذلك بخروقات إسرائيلية في جنوب لبنان.
وقد خلفت الحرب عدة تحولات في البيئة الإقليمية؛ إذ تعرضت دول الخليج لآلاف الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، وأُغلق أهم ممر للطاقة في العالم، كما امتدت تداعيات الحرب إلى دول عربية أخرى، بعضها عبر الاستهداف المباشر، وبعضها عبر الآثار الاقتصادية والجيوسياسية.
في هذا السياق، يتناول تقدير الموقف هذا مآلات الحرب عبر مساحتين مترابطتين. تتناول الأولى المنطقة العربية، وفي قلبها دول الخليج التي اهتز نموذجها الأمني وأعادت النظر في علاقتها بكل من واشنطن وطهران. وتتناول الثانية النظام المصري الذي وجد نفسه أمام بيئة إقليمية أكثر تعقيدا.
المحور الأول: حصيلة الحرب
أوقفت مذكرة التفاهم القتال دون أن تحسم الملفات التي قامت الحرب عليها. وعلى هذه النتيجة يقوم فهم ما آلت إليه الحرب.
فقد خرجت إيران من الحرب أقل قوة مما دخلتها. فأضعفت الضربات الأمريكية، بحسب تقدير نشره “المجلس الأطلسي”، برنامجها النووي وقدراتها العسكرية التقليدية وقيادتها السياسية وبنيتها الصناعية الدفاعية، وقُتل المرشد علي خامنئي في مستهل الحرب وخلفه نجله مجتبى.[1]
غير أن النظام بقي قائما، واحتفظ بترسانته الصاروخية وشبكة حلفائه، وحصل على شرعية متجددة وأصول مالية سيوظّفها في تطوير قدراته العسكرية ونفوذه الإقليمي، بحسب دراسة نشرها “معهد الدراسات الاستراتيجية”.[2] ومعنى ذلك أن الحرب قضمت قدرة إيران دون أن تقضي عليها تماما،[3] وأبقتها طرفا يحتفظ بأوراق ضغط أبرزها تهديد الملاحة في هرمز.
وتمايزت أهداف الطرفين المهاجمين في الحرب ونتائجها. فقد وضع الأمريكي أهدافا وسيطة، تتمثل في ضرب المشروع النووي وتحجيم التهديد الصاروخي وإعادة فتح المضيق، مع مسار تفاوضي مضمر يسعى إلى تسوية.[4] وأصابت واشنطن بعض هذه الأهداف، إذ أضعفت القدرة الإيرانية وخرجت من حرب مكلفة بمخرج سياسي، لكنها لم تغلق الملف النووي ولا عالجت ملف الصواريخ والوكلاء، وعجزت عن فتح المضيق بالقوة. كما أن محاولتها إسقاط القيادة الإيرانية في مستهل الحرب عقّدت مسار التسوية الذي كانت تسعى إليه.
أما دولة الاحتلال فتعاملت مع الحرب بوصفها حلقة في مسار تصعيدي، هدفه إضعاف الإمكانيات العسكرية الإيرانية وقدرة النظام من الضبط الداخلي تمهيدا لجولات تالية. وحقّقت تفوقا عسكريا وميدانيا، لكن المذكرة جاءت دون أهدافها، إذ بقيت الملفات نفسها التي لم يحسمها الأمريكي دون حل.[5] يضاف إلى ذلك توتر علاقتها بواشنطن، بعدما امتنع ترامب عن إطلاعها على نصّ المذكرة وقلّص هامش حركتها تجاه إيران ولبنان.[6]
وبذلك، توقفت المعارك دون حل الأسباب التي قادت لاندلاعها، فبقيت مآلات الحرب في الساحات التي نتناولها هنا معلقة على مصير وقف إطلاق النار.
المحور الثاني: مآلات الحرب على المنطقة
تضعضع ثقة الخليج بواشنطن
شكّل الاعتماد الدفاعي على واشنطن واستضافة قواعدها العسكرية الركيزة الأساسية للأمن الخليجي طوال عقود، غير أن هذا النموذج تعرّض لاختبار جدّي مع اندلاع الحرب. فحين بدأت الضربات الأمريكية-الإسرائيلية في 28 فبراير، ردّت إيران بقصف امتدّ إلى دول الخليج، إذ تلقّت الإمارات وحدها أكثر من 3 آلاف صاروخ ومسيّرة،[7] أي أكثر مما تلقّته بقية دول مجلس التعاون مجتمعة، وأصابت الضربات منشأة رأس لفان القطرية للغاز المسال فتوقفت عن العمل، وطالت الضربات أيضا السعودية والكويت والبحرين.[8]
وبرغم ما وفرته الولايات المتحدة من ضمانات أمنية، سواء عبر الأمر التنفيذي الخاص بقطر في 2025، أو عبر منح قطر والكويت والبحرين صفة الحليف من خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لم تمنع هذه الضمانات تعرض تلك الدول للضربات، وهذا بدوره ألقى بظلال من الشك على الركيزة الأمنية التي استند إليها النموذج الخليجي.[9]
وأدى هذا الاختبار إلى تراجع الثقة في الولايات المتحدة بوصفها حليفا أمنيا. فقد رأى فيليب غوردون، الباحث في معهد بروكينغز ومستشار الأمن القومي الأسبق لنائب الرئيس الأمريكي، أن الحرب كشفت أن واشنطن شريك “متقلب وغير موثوق”، بعدما تجاهلت نداءات دول المنطقة لتجنب الحرب، ثم ألحق مسارها خلال الحرب أضرارا مباشرة بالخليج.[10]
وجاءت مذكرة التفاهم التي أنهت الحرب لتعمّق هذا الخلل، إذ أبقت ترسانة إيران الصاروخية وشبكة حلفائها خارج التزاماتها،[11] رغم أن تقارير أشارت إلى انطلاق عمليات استهدفت مصالح في البحرين والكويت والسعودية والإمارات من الأراضي العراقية. كما ألزمت المذكرة واشنطن بسحب قواتها من محيط إيران، ويُرجَّح أن المقصود بذلك القوات البحرية الأمريكية التي شاركت في فرض الحصار، مع احتمال أن يشمل الانسحاب بعض القواعد الأمريكية في دول الخليج أيضا.[12]
كذلك، تضمّنت المذكرة ترتيبات لإعمار إيران بقيمة 300 مليار دولار، قال نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، إن واشنطن تتطلع إلى إسهام دول الخليج في تمويلها.[13] غير أن وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، أعلن رفض بلاده لهذا الطرح.[14] وتعكس هذه البنود، مجتمعة، اتساع الفجوة بين أولويات دول الخليج ومخرجات الاتفاق؛ فالمظلة الأمريكية لم تمنع استهدافها خلال الحرب، ثم جاءت المذكرة من دون معالجة كثير من هواجسها الأمنية، مع طرح تصور يقوم على مساهمتها في تمويل إعادة إعمار إيران.
وإزاء ذلك، يُرجَّح أن تتجه دول الخليج إلى تعميق علاقاتها مع قوى دولية أخرى، دون أن يعني ذلك فك ارتباطها الأمني بالولايات المتحدة. فالصين، على سبيل المثال، لا تملك القدرة على توفير مظلة أمنية بديلة للخليج، ولا تبدو راغبة في الاضطلاع بهذا الدور. ومن ثم، يُتوقع أن تميل دول الخليج إلى تقليص اعتمادها على واشنطن، لا استبدالها، وذلك عبر تنويع مصادر تسليحها نحو أوروبا وكوريا الجنوبية وتركيا وباكستان، إلى جانب تطوير ممرات تصدير بديلة تقلل اعتمادها على مضيق هرمز.[15]
وتجدر الإشارة هنا أيضا أن دول الخليج ليست موحدة تماما في رد فعلها على الحرب، فلكل دولة مصالح وجّهت استجابتها.[16] فقد عارضت عُمان وقطر الحرب منذ بدايتها، ودعتا إلى احتوائها، مع إبقاء قنوات تواصلهما مع طهران مفتوحة. وخرجت الإمارات الطرف الأكثر تشددا -إن جاز التعبير- بعد تلقيها أكبر الضرر، فعمّقت تعاونها العسكري والاستخباراتي مع دولة الاحتلال التي أرسلت إليها بطارية اعتراض صاروخي، ودعا سفيرها في واشنطن يوسف العتيبة إلى موقف “حاسم” يفكّك برنامج إيران النووي وترسانتها الصاروخية وشبكة وكلائها.[17]
أما السعودية، وهي الأهم بطبيعة الحال في منطقة الخليج، فقد كانت من أكثر دول الخليج انفتاحا على استخدام القوة ضد إيران في بداية الحرب،[18] وأشارت تقارير إلى أن ولي العهد، محمد بن سلمان، أبدى في اتصالاته مع ترامب تفهما لاحتمالات الضربة. ثم دفع مسار الحرب وتقلباتها القيادة السعودية نحو خفض التصعيد، فنأت عن دولة الاحتلال بدرجة ما، وعملت مع باكستان وعُمان وقطر على إنهاء الحرب،[19] واستبعدت أي تطبيع في الوقت الراهن.
وذهب مراقبون إلى أن السعودية شرعت في إعادة ضبط علاقاتها الإقليمية، بما يعيد مسار التفاهم مع إيران الذي بدأ باتفاق 2023 برعاية صينية.[20]
وعلى مستوى أوسع، أفرزت الحرب أطرافا خرجت بمكاسب نسبية. فقد خرجت الصين وباكستان في موقع الرابح، الأولى بوصفها المستورد الأكبر للنفط الإيراني والمعنيّ ببقاء الممرات مفتوحة،[21] والثانية بدورها الوسيط الذي قاد مفاوضات إنهاء الحرب.
حزب الله والجبهة اللبنانية
دخل لبنان حرب 2026 بعد جولة سابقة لم تُغلق ملفاتها بالكامل. ففي نوفمبر 2024، توصّل حزب الله ودولة الاحتلال إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بوساطة أمريكية-فرنسية، حيث نصّ على انسحاب دولة الاحتلال من جنوب لبنان وانتشار الجيش اللبناني وتفكيك البنية العسكرية لحزب الله جنوب الليطاني. غير أن دولة الاحتلال لم تنسحب في موعدها، وأبقت على خمسة مواقع داخل لبنان،[22] وواصلت ضرباتها بمعدل شبه يومي، ثم اغتالت في نوفمبر 2025 هيثم الطبطبائي، الرجل الثاني في الحزب. وعلى الصعيد اللبناني، أعلنت حكومة نواف سلام، في أغسطس 2025، التزامها بنزع سلاح الحزب جنوب الليطاني لكنها عجزت عن التنفيذ، حتى وصف المبعوث الأمريكي، توم براك، الدولة اللبنانية بأنها “فاشلة”.
والآن، وبعد هذه الجولة الثانية من القتال، شمل وقف إطلاق النار، في مذكرة 17 يونيو، لبنان بإصرار إيراني،[23] غير أن مسارا آخر برز بعد تسعة أيام تجاوز إطار تلك المذكرة. ففي 26 يونيو، وقّع لبنان ودولة الاحتلال، برعاية أمريكية في واشنطن، اتفاق إطار عبر مفاوضات مباشرة، في خطوة غير مسبوقة بين الطرفين اللذين لا تربطهما علاقات دبلوماسية.[24] واعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، هذا الاتفاق إنجازا تاريخيا وضربة لإيران وحزب الله،[25] فيما قال سفير دولة الاحتلال في واشنطن، يحيئيل لايتر (Yechiel Leiter)، إن إيران وحزب الله “باتا خارج اللعبة”.[26]
وانحاز مضمون الاتفاق إلى دولة الاحتلال. فهو لا يتضمن انسحابا كاملا ولا جدولا زمنيا، ويُبقي قواتها في ما تسمّيه الحزام الأمني حتى نزع سلاح حزب الله، ويمنع عودة السكان النازحين إليه. ويستعيد الجيش اللبناني السيطرة تدريجيا عبر “منطقتين تجريبيتين” تُحدَّدان بالتنسيق مع جيش الاحتلال، ولا يتسلّمهما إلا بعد التأكد من نزع سلاح الكيانات غير الحكومية. وتضمّن الاتفاق بند “الدفاع عن النفس” الذي يتيح لدولة الاحتلال مواصلة ضرب لبنان متى رأت تهديدا، وملحقا أمنيا لم تُنشر تفاصيله، وربط المساعدات وإعادة الإعمار بنتائج على الأرض وبرقابة أمريكية مستمرة.
ويسعى الاتفاق لإعادة رسم موقع “حزب الله” وإيران في المعادلة اللبنانية، إذ اشترط وزير الحرب، يسرائيل كاتس، نزع سلاح الحزب “في كل لبنان” وأمر جيشه بالاستعداد لبقاء طويل.[27] في المقابل، رفض الحزب الاتفاق، فوصفه أمينه العام نعيم قاسم بأنه “مذلة وعار وتنازل عن السيادة”، وطالب بالاستعاضة عنه بمذكرة إسلام آباد الإيرانية-الأمريكية.[28] وبهذا صار الاتفاق ومذكرة 17 يونيو مسارين متنافسين، يتمسك حزب الله بأحدهما ويرفض الآخر.
وخرج الحزب من الحرب بوصفه فصيلا ضمن محور يشهد تراجعا نسبيا، في ظل الضغوط السياسية والعسكرية المتوازية التي تمارس عليه. والأكثر حساسية أن الاتفاق بدا وكأنه ينقل جزءا من التوتر من مواجهة مع دولة الاحتلال إلى انقسام داخلي لبناني. فقد اشترط نزع سلاح الحزب لتسلّم الجيش اللبناني مناطق الجنوب تدريجيا، وهو ما يفتح الباب أمام انتقال المواجهة من حزب الله ودولة الاحتلال إلى حزب الله والدولة اللبنانية.
ولذا، حذّر النائب عن الحزب، حسن فضل الله، من أن فرضه بالقوة قد يقود إلى “حرب أهلية”،[29] فيما وصف رئيس مجلس النواب، نبيه بري، الاتفاق بـ “الفتنة”،[30] تزامنا مع خروج احتجاجات لمناصري الحزب في شوارع بيروت.
وبهذا يمثّل الاتفاق مظهرا من مظاهر تعملق دولة الاحتلال إقليميا بعد الحرب، حيث فرض شروطه على لبنان دون التزام مقابل، وحفّز بذور الصراع الداخلي في لبنان. ويبقى تطبيق الاتفاق رهين حسابات إيران التي ما زال نفوذها في لبنان قائما، وهو ما ظهر حين أعادت إغلاق مضيق هرمز ردا على ضربات لبنان.[31]
حدود التحوّل الإقليمي
وإجمالا، أعادت الحرب رسم خريطة النفوذ فيها دون أن يفضي ذلك إلى نشوء نظام إقليمي مستقر يحل محل البنية القديمة. فقد تراجع حضور المحور الإيراني في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، مقابل توسع نفوذ تركيا في بعض الساحات.[32] وخرجت دولة الاحتلال أكثر تفوقا ميدانيا، إذ وسّعت نطاق سيطرتها في لبنان وغزة وجنوب سوريا، وفرضت وقائع جديدة على الأرض مع تراجع قدرة خصومها على موازنة هذا التمدد.
غير أن هذا التفوق الميداني لم يترجم إلى مكاسب سياسية موازية، إذ حدّت الحرب من فرص تطبيع عربي جديد مع دولة الاحتلال، وأبقت مستوى التوتر في علاقتها مع عدد من الأطراف الإقليمية والدولية، بما في ذلك الولايات المتحدة في بعض الملفات.
ويبقى هذا التحول رهن وقف نار هشّ قابل للانهيار في أية لحظة. فقد أعادت إيران إغلاق مضيق هرمز بعد أيام من توقيع المذكرة، وتجدّد القصف الإسرائيلي على لبنان بعد اتفاق الإطار، ما يبقي احتمال عودة التصعيد قائما.[33]
المحور الثالث: مآلات الحرب على النظام المصري
مخاطر وفرص
فيما يتعلق بالمخاطر، فإن الحرب لم تهدد بقاء النظام المصري، لكنها رفعت مستوى التحديات التي يواجهها. فقد أعادت تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة بمصر، وضغطت على أوضاعها الداخلية، وفي الوقت نفسه أوجدت هامشا للتحرك الإقليمي سعى النظام إلى توظيفه للحد من آثار الحرب وتعزيز استقراره.
فقد خرجت دولة الاحتلال من الحرب في موقع إقليمي أكثر تماسكا وبهامش حركة أوسع، في ظل تراجع المحور الإيراني الذي كان يشكل أحد عناصر التوازن الإقليمي تجاهها.[34] وهذا التراجع، وإن لم يُنهِ إيران ولا خطرها على دولة الاحتلال، أضعف الطرف الذي كان يستنزفها ويشغلها على جبهات أخرى، فبات النظام المصري أقرب إلى موقع الدولة العربية الكبرى التي تواجه دولة احتلال متعاظمة بموازن إقليمي أضعف مما كان.[35]
ويبرز في هذا السياق عدد من الملفات الإشكالية، وفي مقدمتها ملف التهجير من غزة، يليه ملف تطوّر القدرات العسكرية المصرية وتنويع مصادر السلاح، وملف الأمن في سيناء، وترتيبات الانتشار العسكري على الحدود، ثم القضية الفلسطينية في مجملها.
وقد تناول “مركز المسار” هذه الملفات بالتفصيل في ورقة “التخوف الإسرائيلي من تطور القدرات العسكرية المصرية.. الأسباب والشواهد والمآلات”، وورقة “العلاقات المصرية-الأمريكية بعد طوفان الأقصى.. شواهد التوتر وحدود الخلاف”. وعموما، كلما اتسع هامش الحركة الإقليمية لدولة الاحتلال، ازدادت قدرتها النسبية على الضغط على مصر في هذه الملفات، بما يمسّ بصورة مباشرة اعتبارات الأمن القومي المصري.
ويضاف إلى ذلك أثر يتعلق بقدرة الردع المصرية. فقد كشفت الحرب حدود المظلة الأمنية الأمريكية، بعدما لم تمنع استهداف دول الخليج رغم ارتباطها الوثيق بواشنطن. ويعزز ذلك، من منظور مصري، أهمية المسار الذي بدأته القاهرة في العقد الأخير لتنويع مصادر تسليحها وتقليص اعتمادها على الولايات المتحدة. غير أن هذا التحول لم يكتمل بعد، إذ لا يزال جانب من التسليح المصري، إلى جانب المساعدات العسكرية السنوية، مرتبطا بواشنطن،[36] بما يجعل قدرة مصر على تعزيز ردعها رهنا باستمرار هذا المسار.
ومع ذلك، فإن ما وصلت إليه الحرب حتى الآن قد يصب في صالح مصر من زاوية ما، إذ أن التهديد الإسرائيلي ربما يبقى في حد أدنى وفق المعطيات الراهنة. فمصلحة مصر تقوم على بقاء إيران قوية بما يكفي لتظلّ كابحا لتمدّد نفوذ دولة الاحتلال، وضعيفة بما يحول دون تهديدها الاستقرار الإقليمي أو سعيها إلى سلاح نووي. وقد رصد “مركز المسار” هذا التوجه في ورقة “الموقف المصري من الحرب على إيران.. قراءة في الخطاب الرسمي والإعلامي”.
وهكذا، يسهم انشغال دولة الاحتلال باستيعاب نتائج حربها مع إيران وبالجبهة اللبنانية في الحد من قدرتها على تصعيد الضغوط تجاه مصر في الوقت الراهن.
من جهة أخرى، كشفت الحرب فجوة بين مصر ودول الخليج حول سؤال العدو والأولويات. فقد رأت دول الخليج في إيران الخطر الأول، بينما لم تتعامل معها مصر على هذا النحو، حيث تعتبرها كابحا لتمدّد دولة الاحتلال، وتتحفّظ على مبدأ إسقاط الأنظمة بتدخل خارجي. وقد مرّت هذه الفجوة بمرحلتين خلال الحرب.
في المرحلة الأولى، أدركت دول الخليج رفض مصر العدوان على إيران، فبرز توتر بين الطرفين. وفي مارس 2026، تزامنا مع جولة إقليمية لوزير الخارجية، بدر عبد العاطي، شملت الإمارات وقطر وعمان والأردن، ضجّت مواقع التواصل بسجالات انتقد فيها إعلاميون وأكاديميون خليجيون الموقف المصري إزاء استهداف إيران أراضي خليجية. ومن ذلك قول الكاتب الكويتي، فؤاد الهاشم، في مداخلة تلفزيونية إن مصر “زوجة الأب لا تريد حتى أن تواسي أبناء زوجها الأول”.[37]
وفي المرحلة الثانية، تحرّك النظام المصري حين رأى علاقته بالخليج تسوء، فنشر مقاتلات رافال ومنظومة دفاع جوي في الإمارات، في رسالة بأن دعم دول الخليج له يثمر عائدا أمنيا.[38] وهو حضور رمزي محسوب، يبدو ردّ فعل على فتور العلاقة أكثر منه انخراطا عسكريا في الحرب.
وتعكس هذه الفجوة اختلافا في ترتيب الأولويات بين الخليج الذي يعدّ إيران خصمه الأول، ومصر التي تتحسّب من دولة الاحتلال وتعتبر التعاطي مع خطرها مقدما على خطر إيران.
وعلى المستوى الداخلي، مسّت الحرب بعض ركائز الاستقرار التي يقوم عليها النظام. فاستقراره يستند، في جانب منه، إلى الحفاظ على حد أدنى من الأوضاع المعيشية، وهو ما تعرض لضغوط إضافية بفعل تداعيات الحرب. فقد تراجعت إيرادات قناة السويس 38 بالمئة في الربع الأول من 2026، وبلغ سعر صرف الدولار 55 جنيها،[39] وتجاوز التضخم 15 بالمئة بعد رفع أسعار الوقود بنسبة وصلت إلى 30 بالمئة، في بلد تتجاوز فيه معدلات الفقر، بحسب تقديرات غير رسمية، 35 بالمئة.
ولا يقتصر أثر الحرب على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى البيئة السياسية والاجتماعية. فقد تركت المعاناة في غزة أثرا عميقا في الوعي العام المصري، ورسخت عداء واسعا لدولة الاحتلال، بما يوسع الفجوة بين المزاج الشعبي وموقف النظام -الذي تحده عوامل ذاتية وهيكلية- كلما تجدد التصعيد الإقليمي.
ولم تكن الحرب على مصر تهديدا فحسب، فقد فتحت أمامها نافذة استراتيجية أيضا. فخلخلة النموذج الأمني الخليجي وتعملق دولة الاحتلال أتاحا لمصر، بحكم ثقلها وموقعها، أن تتقدم بدور أكبر في قيادة ترتيب أمني إقليمي يحدّ من هذا التعملق ومن الاعتماد على واشنطن. غير أن الإفادة من هذه النافذة مرهونة برؤية تتجاوز إدارة الأزمة إلى المبادرة، وهو ما لم يحدث بدرجة كبيرة حتى الآن.
تفاعل النظام مع المشهد
وأمام هذا التهديد والضغط، تحرّك النظام المصري على مستويين. خارجيا، نشّط دوره الإقليمي بأدوات مختلفة، أبرزها قناة اتصال فتحتها المخابرات المصرية مع الحرس الثوري الإيراني. فبعد اغتيال مسؤول الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، اجتمع وزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية وباكستان في الرياض ضمن تنسيق رباعي، واعتمدوا على المخابرات المصرية لفتح هذه القناة مع طهران. وطرحت مصر عبرها هدنة مدتها خمسة أيام لبناء الثقة قبيل التفاوض، وهي خطوة يبدو أنها أقنعت ترامب بوقف ضربات كانت مقررة على منشآت الطاقة الإيرانية، ثم مُدّدت عشرة أيام أخرى.
كذلك، دعا وزير خارجية النظام، بدر عبد العاطي، إلى إنشاء قوة عربية مشتركة لما بعد الحرب.[40] غير أن هذه الفكرة طُرحت وأُجّلت مرارا في العقود الماضية، لخلافات عربية حول توزيع الأعباء ومصادر التمويل وتحديد الخصم الذي تتوجه إليه، بما يبقي فرص تحققها محدودة.
وبهذه الأدوات سعى النظام إلى تثبيت حضوره في ملفات ما بعد الحرب، عبر الوساطة في غزة ولبنان والدعوة إلى ترتيب أمني عربي، دون أن يرقى ذلك إلى دور مقرّر في إدارتها.
وداخليا، سعى إلى تأمين تمويل خليجي ودولي يمتصّ الصدمة الاقتصادية، وإلى ضبط الاحتقان بأدوات أمنية وقانونية، مع توظيف خطاب قومي يصوّر مصر بقعة أمان وسط إقليم مشتعل. فقد نسب هذا الخطاب تردّي الاقتصاد إلى أوضاع متراكمة منذ جائحة كورونا، وأبرز ما وصفه بـ “الصبر الجميل” في تجنيب البلاد أسوأ ما حولها،[41] وربط الأمن العربي بالأمن القومي المصري. فأتاحت له الحرب غطاءً وظّفه لتأكيد شرعيته في الداخل، وإظهار فاعليته شريكا في الخارج، ولو بشكل محدود.[42]
غير أن هذه العوامل لا تبدد الضغوط، وإن كانت تحدّ من أثرها. فهي تؤخر انعكاس التردي المعيشي على استقرار النظام، دون أن تعالج أسبابه، كما يبقى مفعولها مرهونا بألا تطول الأزمة أو يتجدد التصعيد.
وإجمالا، تتقاطع هذه المآلات في حصيلة متباينة على استقرار النظام المصري. فقد رفعت الحرب مستوى التحديات الخارجية والداخلية التي يواجهها، لكنها وفرت له، في المقابل، هامشا لإعادة تفعيل دوره الإقليمي وتعزيز وضعه داخليا، إلى جانب إرجاء بعض الضغوط مع استمرار انشغال دولة الاحتلال بجبهات أخرى. وبذلك، أصبحت بيئة النظام أكثر صعوبة، دون أن تبلغ هذه التحديات حد تهديد بقائه.
خاتمة
أنهت مذكرة التفاهم بين ترامب وبزشكيان جولة القتال، لكنها مرشحة للتجدد. فقد أبقت ترسانة إيران الصاروخية وشبكة حلفائها خارج التزاماتها، ولم تمض أيام على توقيعها حتى أعادت إيران إغلاق مضيق هرمز. ولذلك، يبدو وقف إطلاق النار الراهن أقرب إلى هدنة تكتيكية لوقف النزيف منه إلى تسوية مستقرة.
وانعكست الحرب على المساحات التي تناولها تقدير الموقف بطرق مختلفة. ففي الخليج، هزّت أسس النموذج الأمني القائم على المظلة الأمريكية، وأضعفت الثقة بواشنطن، فدفعت دوله إلى تحوّط أكبر يقوم على تنويع الخيارات، وإعادة فتح مسارات التفاهم مع إيران لضبط سلوكها، في مسار تقوده السعودية بعدما أعادت كلفة الحرب معايرة أولوياتها.
أما النظام المصري، فخرج إلى بيئة إقليمية أكثر تعقيدا، مع دولة احتلال أوسع هامشا واقتصاد أكثر انكشافا، لكنه احتوى جانبا من هذه الضغوط عبر تنشيط دوره الإقليمي وإدارة تداعيات الحرب داخليا، دون أن ينجح حتى الآن في تحويل ذلك إلى مكاسب دائمة.
المصادر
[1] Atlantic Council experts, Experts react: The US and Iran just announced an interim peace deal. Here’s what we know so far., Atlantic Council, June 14, 2026 – Link
[2] Hasan Alhasan, A bad peace: the Arab Gulf states and the US–Iran memorandum of understanding, International Institute for Strategic Studies, 26 June 2026 – Link
[3] Experts React: The US and Iran Reach an Agreement, The Middle East Institute، June 14, 2026 – Link
[4] Philip H. Gordon, How the Iran war will change the Middle East, Brookings, June 10, 2026 – Link
[5] Atlantic Council experts, Experts react: The US and Iran just announced an interim peace deal. Here’s what we know so far., Atlantic Council, June 14, 2026 – Link
[6] تقرير: واشنطن ترفض طلب إسرائيل الاطلاع على مذكرة التفاهم مع إيران، مونت كارلو الدولية، 16 يونيو 2026 – الرابط
[7] AFP and ToI Staff, UAE rejects ‘attempts to justify Iranian terror’ after Tehran alleges role in war, The Times of Israel, 16 May 2026 – Link
[8] Matthew Doran, Gulf states ‘colder, harder and more transactional’ under US-Iran deal, ABC News, 28 June 2026 – Link
[9] Behrouz Turani, How a US-Iran deal can reshape the Middle East, Iran International, 27 June 2026 – Link
[10] Philip H. Gordon, How the Iran war will change the Middle East, Brookings, June 10, 2026 – Link
[11] Elliott Abrams, The Iran Deal Comes at a Cost to Israel. The White House Hasn’t Acknowledged It., Council on Foreign Relations, 26 June 2026 – Link
[12] Hasan Alhasan, A bad peace: the Arab Gulf states and the US–Iran memorandum of understanding, International Institute for Strategic Studies, 26 June 2026 – Link
[13] Andrew Mills, Maha El Dahan and Parisa Hafezi, Iran deal includes $300 billion fund, more than half of which already committed, source says, Reuters, 16 June 2026 – Link
[14] وزير خارجية السعودية يعلق وسط جدل أي الدول الخليجية ستمول إعادة بناء إيران، سي إن إن عربي، 18 يونيو 2026 – الرابط
[15] Ian Shine and Spencer Feingold, Iran war: What’s next for the Middle East?, World Economic Forum, 25 June 2026 – Link
[16] Behrouz Turani, How a US-Iran deal can reshape the Middle East, Iran International, 27 June 2026 – Link
[17] Jerusalem Post Staff, UAE ambassador to US warns against ending Iran war too soon, The Jerusalem Post, 25 March 2026 – Link
[18] Julian E. Barnes, Tyler Pager and Eric Schmitt, Saudi Leader Is Said to Push Trump to Continue Iran War in Recent Calls, The New York Times, 24 March 2026 – Link
[19] Michael Arria, What does Trump’s defeat mean for the Middle East?, Mondoweiss, 20 June 2026 – Link
[20] المصدر نفسه
[21] The MOU Is Only the Beginning: AJC Global Expert Perspectives on the U.S.-Iran Agreement, American Jewish Committee (AJC), 26 June 2026 – Link
[22] Alex MacDonald, What does the US-Iran deal mean for Lebanon?, Middle East Eye, 15 June 2026 – Link
[23] عائشة سيد أحمد، النووي وهرمز ولبنان.. هل تصمد مذكرة إسلام آباد أمام الملفات الشائكة؟، الجزيرة نت، 22 يونيو 2026 – الرابط
[24] Elliott Abrams, The Iran Deal Comes at a Cost to Israel. The White House Hasn’t Acknowledged It., Council on Foreign Relations, 26 June 2026 – Link
[25] نتنياهو: اتفاق الإطار ضربة قوية لإيران وحزب الله، أخبار الميادين، 28 يونيو 2026 – الرابط
[26] محمد بدران، سفير إسرائيل في واشنطن: توصلنا لإطار عمل تاريخي مع لبنان، بوابة الأهرام، 26 يونيو 2026 – الرابط
[27] لبنان: هل يُشعل اتفاق الإطار مع إسرائيل انقساما داخليا؟، بي بي سي عربي، 28 يونيو 2026 – الرابط
[28] الشيخ نعيم قاسم: اتفاق الإطار في واشنطن مذلة وعار وتنازل عن السيادة، قناة العالم، 27 يونيو 2026 – الرابط
[29] بولا أسطيح، «حزب الله» يلوّح بالحرب الأهلية رداً على اتفاق «الإطار»، الشرق الأوسط، 27 يونيو 2026 – الرابط
[30] بري يحذر من الفتنة بعد توقيع الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، الجزيرة نت، 27 يونيو 2026 – الرابط
[31] Jason Burke, Iran says it is closing strait of Hormuz over Israeli strikes in Lebanon, The Guardian, 21 June 2026 – Link
[32] İhsan Aktaş, Türkiye’s moment in the new Middle East, Daily Sabah, 27 June 2026 – Link
[33] Mohammad Mansour, The US-Iran MoU looks at managing the pain rather than ending the war, Al Jazeera, 29 June 2026 – Link
[34] Eran Lerman, Egypt’s Place in Israel’s National Security Concept, Jerusalem Center for Foreign Affairs (JCFA), 25 June 2026 – Link
[35] Hussein Baoumi, A Balancing Act in a Rentier Reality: Egypt and the Iran War, The Tahrir Institute for Middle East Policy (TIMEP), 4 June 2026 – Link
[36] Jeremy M. Sharp, Egypt: Background and U.S. Relations, Congressional Research Service (CRS), 25 February 2026 – Link
[37] خليجيون يشنون هجوما على مصر بسبب الهجمات الإيرانية بالتزامن مع زيارة وزير الخارجية المصري لدول الخليج، بي بي سي عربي، 16 مارس 2026 – الرابط
[38] Nervana Mahmoud, Egypt’s Role in the Iran War 2026: Why Cairo Sided With Saudi Arabia and the UAE, Middle East Journal, 28 May 2026 – Link
[39] Angie Omar, Egypt’s Discrete Role in the Ceasefire with Iran, Carnegie Endowment for International Peace, 16 April 2026 – Link
[40] مصر تدعو إلى تشكيل “قوة عربية مشتركة”، سكاي نيوز عربية، 15 مارس 2026 – الرابط
[41] وليد قطب، أبرز رسائل الرئيس السيسي في الأكاديمية العسكرية المصرية، بوابة أخبار اليوم، 5 مارس 2026 – الرابط
[42] Jennifer Holleis, Egypt’s delicate balancing act in the Iran war, Deutsche Welle (DW), 11 June 2026 – Link







