المحتويات
مقدمة المترجم
مقدمة الدراسة
القيمة الإجمالية للصادرات الصينية وأهم الجهات المستفيدة
- السعودية
- إيران
- الإمارات
- مصر
- منظمات ما دون الدولة
الاتجاهات المؤثرة في الصادرات الدفاعية الصينية
الخلاصات التي توصل إليها المعهد
مقدمة المترجم
تشهد منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة تحولات جذرية في بنية التسليح والتوازنات الأمنية، في ظل تصاعد حدة النزاعات وتنامي الطلب على الأسلحة المتطورة من مصادر متعددة. وفي هذا السياق، تبرز الصين بوصفها لاعبا دفاعيا متناميَ الحضور في المنطقة، وإن ظل حجم صادراتها الدفاعية إليها أدنى بكثير مما يُشاع.
وقد تصاعد الاهتمام الإسرائيلي برصد هذا الملف وتحليله، لا سيما في ضوء الحرب الدائرة مع إيران والتساؤلات المتزايدة حول احتمال لجوء طهران إلى بكين لإعادة بناء منظومتها العسكرية. وفي هذا الإطار، نشر “معهد دراسات الأمن القومي” الإسرائيلي (INSS) دراسة بعنوان “الصادرات الدفاعية الصينية إلى الشرق الأوسط: الاتجاهات والتداعيات على إسرائيل”، للباحث هدّاي سيغيف.
وتستند الدراسة إلى بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) ومصادر مفتوحة أخرى، وتُقدّم صورة تحليلية شاملة عن مسار الصادرات الدفاعية الصينية إلى المنطقة منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي حتى عام 2025، مستعرضةً أبرز الصفقات والمنظومات المُصدَّرة والدول المستوردة، ومحللةً الاتجاهات التي ترسم ملامح هذا الملف في المرحلة القادمة.
وتتناول الدراسة بالتفصيل الصادرات الصينية إلى دول الخليج وإيران ومصر، وتُفرّق بين الصادرات الرسمية المرصودة والدعم غير المباشر عبر نقل المواد والمكوّنات، كما تتطرق إلى وصول أسلحة ذات أصول صينية إلى تنظيمات ما دون الدولة كـ “حزب الله” اللبناني وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) عبر شبكات التهريب.
وتُفيد الدراسة القارئَ العربي والدارسين والباحثين المهتمين بالشأن الأمني في فهم كيفية قراءة مراكز التفكير الإسرائيلية لمسار التسليح الصيني في المنطقة، وما تستشرفه من مخاطر وفرص، لا سيما ما يتعلق بمستقبل العلاقات الصينية-الإيرانية في الشأن الدفاعي.
ويجدر التأكيد أن الأفكار والتحليلات والاستنتاجات الواردة في هذه الدراسة تعبّر عن وجهة نظر الباحث والجهة الناشرة، ولا تمثل بالضرورة رأي المترجم أو “مركز المسار”. وقد التزم المترجم بنقل النص بدقة دون تدخل في المضمون، مع مراعاة سلاسة الأسلوب العربي وضبط المصطلحات.
وإليكم نص الدراسة كاملا.
مقدمة الدراسة
على مدى العقود الماضية، رسّخت الصين مكانتها كقوةً عالمية في الميادين السياسية والاقتصادية والعسكرية، ماضيةً في تعزيز رؤيتها الاستراتيجية الشاملة ومصالحها العالمية. وقد زاد توسّع نفوذها الدولي وخططها التنموية الاستراتيجية من احتياجاتها الأمنية وقدراتها الدفاعية معا. وفي هذا السياق، شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعا متواصلا في ميزانية الدفاع الصينية إلى جانب تطوير عسكري ملحوظ.
ففي أكتوبر/تشرين الأول 2017، خلال افتتاح المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني، أعلن الرئيس الصيني، شي جين بينغ، هدفا استراتيجيا واضحا، يتمثل في أن تُكمل المنظومة العسكرية والدفاعية الصينية عملية تحديث شاملة بحلول 2035، وعلى المدى الأبعد -أي بحلول 2049، ذكرى مئوية تأسيس جمهورية الصين الشعبية- أن تمتلك قوات مسلحة تليق بقوة عالمية كبرى.
ويعكس هذا الهدف طموح الصين في ترسيخ مكانتها ليس فقط كقوة اقتصادية عظمى، بل أيضا كلاعب قادر على التأثير الاستراتيجي في الساحة الدولية. وتُعدّ صادرات الدفاع إحدى الأدوات الرئيسية التي تستخدمها الصين لتعزيز قوتها العسكرية وتوسيع نفوذها الدولي. ففي السنوات الأخيرة، عملت بكين على توسيع حضورها في أسواق تصدير الدفاع، مما يمكّنها من تقوية صناعتها الدفاعية المحلية وتطوير قدراتها التكنولوجية، إلى جانب تعميق علاقاتها السياسية والأمنية والاقتصادية مع الدول الأخرى.
وتأتي هذه الدراسة تحديثا لدراسة سابقة نُشرت عام 2018، لترصد الوضع الراهن للصادرات الدفاعية الصينية إلى الشرق الأوسط، استنادا إلى بيانات معهد ستوكهولم ومصادر مفتوحة أخرى. وبما أن المعهد لا يمتلك بيانات عن الصفقات الدفاعية الفعلية، فقد طوّر مؤشرا خاصا لحساب اتجاهات صادرات الأسلحة يُعرف بـ”قيمة مؤشر الاتجاه” (TIV). ولا تعكس مقاييس هذا المؤشر تكلفة صفقات الأسلحة، وبالتالي لا يجوز مقارنتها مباشرةً بالقيم النقدية، إذ تُستخدم أساسا كبيانات مرجعية لحساب اتجاهات تسليم الأسلحة عبر الزمن وحجم الصادرات الدفاعية من دول بعينها وإليها.

ولا يشمل التحليل الأسلحة الخفيفة كالبنادق الهجومية والرشاشات والذخائر، ولا قدرات الحرب الإلكترونية التي يصعب تتبّعها خصيصا. كما يفترض التحليل وجود صفقات أسلحة لا تتضمنها بيانات المعهد. ولأغراض هذه الدراسة، كما في سابقتها، يمتد تعريف الشرق الأوسط من إيران شرقا إلى مصر غربا، ومن تركيا شمالا إلى اليمن جنوبا.
القيمة الإجمالية للصادرات الصينية وأهم الجهات المستفيدة
بدأت الصادرات الدفاعية الصينية إلى دول الشرق الأوسط في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وبلغ حجمها التراكمي بنهاية 2025 نحو 13.5 مليار وحدة قيمة مؤشر الاتجاه، وهو مقياس نسبي طوّره معهد ستوكهولم لرصد اتجاهات تسليم الأسلحة لا قيمتها النقدية.
وتركّزت معظم المبيعات، البالغة نحو 8.8 مليار وحدة، في ثمانينيات القرن الماضي -وهو العقد الأكثر ربحا للصين في الشرق الأوسط- حين صدّرت الصين كميات ضخمة من الأسلحة إلى طرفَي الحرب العراقية الإيرانية (انظر الشكل 1).
وفي تسعينيات القرن الماضي، عقب انتهاء الحرب الباردة، تراجع حجم الصادرات الدفاعية الصينية إلى الشرق الأوسط إلى نحو 1.8 مليار وحدة، ذهب معظمها إلى إيران. واستمر هذا التراجع في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حين بلغ الحجم نحو 1.4 مليار وحدة، موجّها في المقام الأول إلى إيران ومصر.
وعلى الرغم من التطور المتسارع الذي شهدته الصين في السنوات الأخيرة، واصلت مبيعات الأسلحة الصينية إلى الشرق الأوسط تراجعها في العقد الحالي أيضا (انظر الشكل 2). واعتبارا من 2025، تحتل الصين المرتبة الخامسة عالميا في تصدير الأسلحة، بعد أن تخلّفت عن ألمانيا وفرنسا، ولا تزال بعيدة كثيرا عن الولايات المتحدة.
وفي الفترة 2021-2025، بلغ إجمالي الصادرات الدفاعية الصينية العالمية نحو 8.58 مليار وحدة، بارتفاع 11 بالمئة مقارنةً بالفترة الخمسية السابقة. وبين 2016 و2025، قُدّرت صادرات الأسلحة الصينية إلى الشرق الأوسط بنحو 732 مليون وحدة، ما يمثّل 4 بالمئة فقط من إجمالي الصادرات الدفاعية الصينية العالمية خلال تلك السنوات. وبالمقارنة، وفق معهد ستوكهولم، قُدّرت صادرات الأسلحة الأمريكية إلى الشرق الأوسط، باستثناء إسرائيل، خلال الفترة ذاتها بنحو 19.5 مليار وحدة، أي 170 ضعف إجمالي المبيعات الصينية.

وذهب أكثر من 80 بالمئة من إجمالي الصادرات الدفاعية الصينية إلى الشرق الأوسط بين 2016 و2025 إلى دول الخليج (انظر الشكل 3)، وكانت السعودية في طليعة المستوردين بصفقات بلغت نحو 330 مليون وحدة (مقارنةً بصفقاتها مع الولايات المتحدة خلال الفترة ذاتها والمقدّرة بنحو 19.3 مليار وحدة).
ويبدو أن الصين تُوجّه صادراتها الدفاعية نحو الدول المحافظة على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، ربما لاقتطاع حصة من سوق الدفاع الأمريكية، إذ تمتلك هذه الدول عموما ميزانيات تسليح ضخمة. ويُلفت في هذا السياق الاهتمام بمجال الطائرات المسيّرة المسلّحة، الذي امتنعت الولايات المتحدة عن تصديره إلى الشرق الأوسط، مما أتاح للصين ملء هذا الفراغ.
وفي المقابل، لم يرصد معهد ستوكهولم أي صفقات دفاعية بين الصين والدول المنخرطة في صراعات داخلية أو في مواجهة مع الولايات المتحدة، وهي إيران واليمن ولبنان وسوريا، وربما خشيةً من الانحياز في النزاعات والتعرض للعقوبات أو الإرهاب أو الانتقاد الدولي.

وبين 2021 و2025، بلغ إجمالي الواردات الدفاعية في الشرق الأوسط نحو 37 مليار وحدة. وكانت السعودية في صدارة المستوردين العسكريين خلال هذه الفترة بنحو 10.4 مليار وحدة، تليها قطر بنحو 9.9 مليار وحدة، ثم الكويت بنحو 4.3 مليار وحدة (انظر الشكل 4).

السعودية
وفق معهد ستوكهولم، بدأت مشتريات السعودية من الصين في ثمانينيات القرن الماضي بشراء صواريخ باليستية من طراز (DF-3A) يبلغ مداها آلاف الكيلومترات بقيمة 450 مليون وحدة. وجرت الصفقة في سرية تامة ولم تُكشف إلا عام 2014 حين عرضت المملكة هذه الصواريخ علنا لأول مرة.
وفي 2007، اشترت المملكة أيضا صواريخ (DF-21) الباليستية ومدافع الهاوتزر ذاتية الدفع من طراز (PLZ-45). وأفاد تقرير أمريكي صدر عام 2022 بأن الصين تُقدّم مساعدة تقنية للبرنامج الصاروخي المحلي السعودي.
ومنذ 2010، اقتصرت مشتريات المملكة من الصين في معظمها على الطائرات المسيّرة؛ إذ تسلّمت بين 2017 و2022 خمسين طائرة مسيّرة من طراز (Wing Loong-2)، كما رُصد في الخدمة السعودية نظام مضاد للطائرات المسيّرة يعمل بتقنية التشويش والتعطيل (soft-kill)، يُرجَّح أنه منظومة (Silent Hunter). وفي مارس/آذار 2026، أُفيد بإبرام صفقة بقيمة 5 مليارات دولار للإنتاج المحلي لطائرة (Wing Loong-3) المسيّرة بمعدل نحو 48 طائرة سنويا، مما سيجعل المملكة أول عميل عالمي لهذه المنظومة.
إيران
تمحور التعاون الدفاعي بين الصين وإيران منذ ثمانينيات القرن الماضي حول نقل الخبرات التقنية في مجال الصواريخ وبناء البنية التحتية للإنتاج وتطوير القدرات الإيرانية الذاتية، بما فيها المساعدة في برنامجها النووي.
غير أن هذا التعاون شهد تباطؤا ملحوظا خلال العقد الأخير؛ إذ لم تُسجَّل في واقع الأمر أي صفقات أسلحة بين البلدين منذ الاتفاق النووي (JCPOA) عام 2015، على الرغم من اتفاقية التعاون الاستراتيجي لمدة 25 عاما الموقّعة في مارس/آذار 2021، التي لم تُغيّر اتجاه صادرات الأسلحة. وقد امتنعت الصين عن الصادرات الدفاعية المباشرة لإيران تفاديا للتوتر مع الولايات المتحدة وصونا لعلاقاتها مع دول الخليج.
وفي فبراير/شباط 2026، أُفيد بأن إيران في مفاوضات متقدمة لشراء صواريخ كروز (CM-302)، وهو تقرير نفته الصين لاحقا. كما لم تتأكد حتى كتابة هذه السطور التقارير المتعلقة ببيع منظومات دفاع جوي صينية لإيران.
في الوقت ذاته، تُسهم الصين في دعم إيران عبر توريد معدات ومواد لإنتاج الأسلحة؛ فوفق وثيقة أمريكية رسمية، استوردت إيران خلال 2025 نحو ألف طن من بيركلورات الأمونيوم من الصين، وهو عامل مؤكسد قوي يدخل في إنتاج وقود الصواريخ. وقدّرت تقييمات غربية أن هذه الكمية قد تكفي لإنتاج وقود صلب لعدة مئات من الصواريخ الباليستية. كما أُفيد بتسليم الصين لإيران بيركلورات الصوديوم، وهو مكوّن رئيسي في الوقود الصلب للصواريخ، بعد عملية زئير الأسد [الاسم الذي أعطاه الجيش الإسرائيلي للحملة العسكرية الواسعة التي بدأت بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، في 28 فبراير/شباط 2026].
الإمارات
تُعدّ الإمارات من كبار العملاء الصينيين في الشرق الأوسط في مجال الطائرات المسيّرة بأنواعها؛ إذ اشترت بين 2013 و2017، 25 طائرة مسيّرة مسلّحة من طراز وينغ لونغ-1 (Wing Loong-1)، واقتنت لاحقا في العقد ذاته 15 طائرة من الطراز الثاني الأكثر تطورا.
وإلى جانب ذلك، حصلت على منصات برية كقاذفة الصواريخ (AR-3) ومدفع الهاوتزر المقطور (AH-4). واكتسبت المنظومات القتالية الصينية في الخدمة الإماراتية خبرة ميدانية في المواجهة مع الحوثيين، حيث أُسقطت عدة طائرات وينغ لونغ-2 (Wing Loong-2).
وقد زُوِّدت بهذه الطرازات أيضا ليبيا والسودان في سياق صراعاتهما الداخلية. كما غدت الإمارات أول دولة في الشرق الأوسط تشتري 12 طائرة تدريب من طراز إل-15 (L-15) من الصين. ويُعدّ معرض دبي للطيران من أبرز المنصات التي تعتمدها الصين لتسويق منصاتها القتالية الجديدة.
مصر
في العقد الماضي، أطلقت مصر توجها نحو اقتناء طائرات مسيّرة متطورة من أنواع مختلفة، بينها (CH-4B) و(Wing Loong-1). كما تُصنّع مصر محليا طائرة الاستطلاع المسيّرة (ASN-209) في إطار اتفاقية أبرمتها مع شركة شيآن آيشنغ للتكنولوجيا.
وتشمل صفقات أخرى أُبلغ عنها في السنوات الأخيرة منظومات حرب إلكترونية و10 طائرات مسيّرة مسلّحة من طراز (WJ-700)، وإن كان تسليمها لم يتأكد حتى كتابة هذه السطور. وفي مطلع 2025، أُفيد بأن مصر تعتزم شراء مقاتلات جي-10 سي (J-10C) الصينية. وفي تحرك نادر، نفى الناطق باسم وزارة الدفاع الصينية، العقيد أول وو تشيان، وجود مثل هذه الصفقة.
وبين 2016 و2025، بلغ حجم الصادرات الدفاعية الصينية إلى مصر نحو 41 مليون وحدة، أي 6 بالمئة من إجمالي الصادرات الدفاعية الصينية إلى الشرق الأوسط كله خلال تلك الفترة.
منظمات ما دون الدولة
نقلت إيران بعض منظومات الأسلحة المطوّرة باستخدام تكنولوجيا صينية إلى حزب الله وحماس، وقد وُظِّفت في نزاعات مع إسرائيل. ففي حرب لبنان الثانية صيف 2006، أصابت نسخة إيرانية من الصاروخ الصيني (C-802) أُطلقت من الساحل اللبناني سفينة الصواريخ الإسرائيلية “حانيت” (INS Hanit).
وفي حرب “السيوف الحديدية” [المسمى الإسرائيلي لحرب الإبادة على غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023]، وظّف حزب الله صواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف من طراز (QW-18)، فيما استخدمت حماس مجموعة متنوعة من الأسلحة الخفيفة أبرزها صاروخ الدبابات المتطور (Red Arrow 8L). وقد نُقلت هذه الأسلحة أو هُرِّبت على الأرجح من دول شرق أوسطية أو إفريقية إلى هذه المنظمات، ولم تبِعها الصين لها مباشرة.
الاتجاهات المؤثرة في الصادرات الدفاعية الصينية
أولا: تداعيات الحرب في الشرق الأوسط
من المتوقع أن تزيد النزاعات الدائرة في الشرق الأوسط منذ حرب “السيوف الحديدية”، إضافةً إلى التصعيد بين إيران ووكلائها من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، من الطلب على واردات الدفاع في المنطقة. وتجد دول المنطقة نفسها مضطرة إلى تعزيز قدراتها العسكرية، بما يشمل شراء منظومات متطورة لتعزيز المنظومات القائمة أو استبدال ما تضرّر في المعارك.
وقد تُوظّف دول الشرق الأوسط خيار استيراد المعدات الدفاعية من الصين ورقةً ضغط في مواجهة الولايات المتحدة، المصدّر الأول للأسلحة في العالم، بهدف حملها على رفع القيود المفروضة على بيع بعض المنظومات. وربما تتجلى هذا الديناميكية بوضوح لدى دول الخليج ومصر التي تجمعها بواشنطن علاقات أمنية وثيقة، وإن شهدت أحيانا تقلبات في حجم المساعدات العسكرية لأسباب سياسية.
وفي الوقت ذاته، تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة سبق أن حذّرت حلفاءها من أن المشتريات من الصين ستُلحق الضرر بتعاونهم الدفاعي مع واشنطن، وأن المنظومات العسكرية الأمريكية لن تستطيع العمل جنبا إلى جنب مع منظومات الاتصالات الصينية، فضلا عن منظومات الأسلحة الصينية.
ثانيا: قيود “السوق الأسير”
يُعدّ الشرق الأوسط “سوقا أسيرا”، وإن كانت شهيته تتنامى. ويعني “السوق الأسير” أن منظومات الجيوش تميل إلى التجانس؛ إذ تعتمد فروع القوات المسلحة المختلفة على منظومات متوافقة فيما بينها، وتستند المذاهب العسكرية إلى هذه المنظومات وقدراتها، كما يعتمد الإطار اللوجستي بدوره على دول المورّدين في قطع الغيار والتدريب.
وبطبيعتها، تُقيّد عمليات بناء القوة الموردين والعملاء في التزام اقتصادي وعسكري عميق وبعيد الأمد. ومن ثَمّ، كثيرا ما تكون علاقات التجارة الدفاعية محرّكا للعلاقات السياسية والاستراتيجية بين الدول المتعاملة وتعبيرا عنها في آنٍ واحد. وهكذا، هيمن الغرب على سوق الأسلحة الشرق أوسطية على مدى العقود الماضية، لا سيما بعد تراجع الصادرات الدفاعية الروسية.
فسوق مقاتلات الطائرات مثلا مُشبَع وشديد التنافس، وتُفضّل الدول ذات الميزانيات الضخمة المنصات الغربية. ولذا، من المتوقع أن تنافس الصين في تصدير مقاتلة الشبح (J-35) بصورة رئيسية على عملاء ذوي موارد أكثر محدودية، فيما تبقى باكستان عميلا محتملا رئيسيا في ظل تقارير عن عرض ببيع نحو 40 طائرة تُسلَّم في السنوات القادمة.
والجدير بالذكر في هذا السياق أنه في فبراير/شباط 2026، قدّم الملحق العسكري الصيني نموذجا مصغّرا لمقاتلة الشبح (J-20)، أحدث طائرة صينية، إلى ضابط إيراني رفيع، ربما لإبراز تطور الصين العسكري أمام مضيفه، حتى وإن لم تكن ثمة استعداد لإتمام مثل هذه الصفقات في المستقبل المنظور.
ثالثا: الطائرات المسيّرة محرّكا للنمو
يتيح مجال الطائرات المسيّرة، وربما غيرها من المنظومات المستقلة أيضا، للصين فرصة كبيرة لتوسيع صادراتها الدفاعية. فمنصات عائلتَي (Wing Loong) و(Cai Hong) تتمتع بإمكانات تصدير واسعة، وقد اقتنتها دول كثيرة في آسيا وإفريقيا، وخضع بعضها لاختبار الميدان.
وتواصل الصين الكشف في معارضها الداخلية والدولية عن طرازات جديدة ومتطورة تُؤكد التطور التكنولوجي، حتى وإن ظلت مواصفاتها الفنية موضع تساؤل. ولو قُدِّمت بأسعار مغرية، فقد تُعزّز قبضة الصين على سوق الطائرات المسيّرة الإقليمية، لا سيما على حساب المصدّرين من بينهم إسرائيل وتركيا والولايات المتحدة.
وعلى نطاق أوسع، في مجال المنظومات غير المأهولة -لا في الجو وحده- لا تتمتع صناعات الدفاع التقليدية في الولايات المتحدة وأوروبا بالميزة الراسخة التي تمتلكها في مجال الطائرات المقاتلة مثلا، مما يُفسح المجال للاعبين جدد كالصين لاقتطاع حصة سوقية معتبرة. وتُمثّل تطبيقات الروبوتات العسكرية مجالا آخر يبدو أن الصادرات الصينية فيه تنطوي على إمكانات مستقبلية واعدة.
رابعا: التغلغل في أسواق على حساب الصناعة الروسية
ثمة مسار آخر لتوسيع الصادرات الدفاعية الصينية ينشأ من الضعف النسبي للصناعة الدفاعية الروسية جراء الحرب في أوكرانيا. فالضغط على خطوط الإنتاج والتأخر في التسليم للعملاء الأجانب يُلحقان الضرر بقدرة موسكو على الحفاظ على مكانتها في أسواقها التقليدية. ويُفتح هذا الوضع أمام بكين نافذة فرص لتقديم بدائل، أحيانا بأسعار أدنى وتوافر أعلى.
ويبرز في هذا السياق سوق الرادارات والدفاع الجوي، حيث بِيعت منظومات كـ (FK-3) و(FD-2000) لدول عدة بديلا عن المنظومات الروسية كـ (S-300). والدول الساخطة على أداء المنظومات الروسية قد تقرر التوجه شرقا، وتُسهم الجهود التسويقية الصينية الحثيثة في معارض الدفاع وادعاؤها بأن منظوماتها تضاهي منظومات الغرب أو تتفوق عليها في تعزيز هذا التوجه.
خامسا: اختبار الخبرة الميدانية
إلى جانب ذلك، استقطب الصدام العسكري بين الهند وباكستان في مايو/أيار 2025، ثم النزاع بين تايلاند وكمبوديا في وقت لاحق من العام ذاته، اهتماما واسعا من المؤسسات الدفاعية في العالم، إذ اعتُبرا “اختبار النار” الأول لعدة منظومات أسلحة صدّرتها بكين ولم تخضع بعد لاختبار القتال الفعلي.
وقد يُمثّل هذا الاختبار، لا سيما لمقاتلة (J-10) وصواريخ (PL-15)، نقطة تحوّل في مساعي الصين لتصدير الأسلحة التي لم تنجح حتى الآن في اختراق سوق مقاتلات الطائرات بصورة ملموسة.
وفي الوقت ذاته، أبرزت تقارير عدة أداء سلبيا لبعض المنظومات الصينية في الميدان، كمنظومة الدفاع الجوي (FD-2000) في باكستان، ودبابة المعركة الرئيسية (VT-4) في تايلاند. وعلى الرغم من الاستثمارات الضخمة في البحث والتطوير العسكري، فكلما بدت التكنولوجيا الصينية أكثر كفاءة في اختبارات الميدان، زاد احتمال إقناع العملاء المترددين أو تمكين الصين من انتزاع حصة سوقية من المصدّرين الآخرين.
الخلاصات التي توصل إليها المعهد
على مدى العقد الماضي، أبدت الصادرات الدفاعية الصينية إلى الشرق الأوسط اتجاها تنازليا، رغم أن الصادرات الدفاعية الصينية العالمية شهدت ارتفاعا في 2021-2025 مقارنةً بالفترة الخمسية السابقة.
وقد يُعزى هذا التباين إلى خصائص السوق الشرق أوسطية بوصفها سوقا أسيرا، حيث تُرسّخ الصفقاتُ الكبرى واتفاقيات الدفاع الولاياتِ المتحدة مورّدا للأسلحة مهيمنا على المنطقة، في حين تبقى الضامن الأمني الوحيد
وتُوسّع الولايات المتحدة عروضها من الأسلحة للشركاء الإقليميين الرئيسيين، مشترطةً في الوقت ذاته إقصاء الصين، في المجال الدفاعي تحديدا، مما يُضيّق هامش المناورة الصيني. غير أن التحولات الراهنة في الشرق الأوسط قد تُنبئ بتغيير في المشهد إن أحسنت بكين استثمار الوضع الجيوسياسي الناشئ بعد الحرب. فالصين مثلا قد تملأ فراغات في بعض منظومات الأسلحة في غياب بدائل غربية أو روسية ناضجة ومتاحة وبأسعار معقولة.
وعلى مدى العقد الماضي، تمحورت الصادرات الدفاعية الصينية إلى الشرق الأوسط حول دول الخليج في المقام الأول، وفي طليعتها السعودية التي تمتلك إمكانات اقتصادية قوية وعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة.
وتهدف هذه السياسة إلى اختراق الأسواق الراسخة، جزئيا عبر توريد منظومات الطائرات المسيّرة المسلّحة، وهو مجال فرضت الولايات المتحدة قيودا على تصديره مما أوجد ميزةً للصين. وفي الوقت ذاته، واصلت الصين تجنّب الصادرات الدفاعية المباشرة لإيران واليمن ولبنان وسوريا للحدّ من المخاطر السياسية والاقتصادية، رغم استمرار الدعم غير المباشر عبر نقل المواد والمكوّنات والمعرفة التقنية لإنتاج الأسلحة. فضلا عن ذلك، تجد الأسلحة طريقها إلى المنظمات الإرهابية عبر شبكات التهريب، ويواجهها جنود الجيش الإسرائيلي في الميدان.
وتعكس هذه الاتجاهات مجتمعةً سياسةً صينية حذرة وطموحة في آنٍ معا، حيث تسعى إلى توسيع نفوذها الدفاعي في المنطقة مع الموازنة بين المصالح الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية. ويستلزم التطور العسكري والتكنولوجي الصيني من إسرائيل مراقبةً دقيقة لمبيعات المنظومات الصينية واحتمالات تسرّبها إلى أيدي معادية.
كما ينبغي لإسرائيل مواصلة دبلوماسية هادئة لكن حازمة مع بكين لإقناعها بعدم نقل منظومات قتالية قادرة على تغيير موازين القوى، لا سيما بعد الحرب الدائرة حين ستحتاج إيران إلى إعادة بناء صناعاتها العسكرية والدفاعية وقد تلجأ إلى بكين لهذا الغرض.
وفي الوقت ذاته، ينبغي لإسرائيل مواصلة تعزيز تعاونها مع الولايات المتحدة واللاعبين الإقليميين، مع الاستثمار في الابتكار والحفاظ على تفوقها التكنولوجي على خصومها في ظل بيئة التهديدات المتغيرة.







